اهم الاخبار
الأربعاء 22 سبتمبر 2021
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

العودة للمربع صفر .. مستقبل تسوية الصراع بمناطق النزاع العربية في خطر

عمليات التصعيد المسلح تتفاقم .. موازين القوي تتغير علي الأرض .. وظهور تحالفات جديدة تهدد المسار السياسي

الوكالة نيوز

سادت فـى الفتـرة الأخيـرة توقعـات بتراجع مسـتوى الصراعات التـي اندلعت فـى العقـد الأخيـر بفعـل وجود خطط تسـوية علـى طـاولات الحـوار المختلفة، حيـث تسـربت خطـط بهـذا المعنـى فيمـا يخـص الصـراع فـى اليمـن، وبـدا أن ثمــة تقارباً روسياً امريكباً فــى ســوريا، فى ضــوء لقــاء مرتقــب بيـن مسـئول الشرق الاوسط في مجلس الأمـن القومي الامريكي بريت ماكغـورك، ونائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فريشـينين، والمبعوث الرئاسي ألكساندر لافرينييـف.

اندلاع مواجهات في درعا

كما بـرزت الانطباعـات ذاتهـا فـى ليبيـا مـع تحقيـق اللجنـة العسـكرية المشـتركة (5+5) تقدمـاً نسـبياً فـى الملـف الأمني لاسـيما بعـد عملية فتح الطريق الساحلي، وإتمـام مرحلة جديدة مـن الإفراج عـن الأسـرى مـا بيـن الجيـش الوطنـي الليبـي وقـوات غـرب ليبيا ، لكن يبدو أن هنـاك ارتدادات موازية تمثلت فى عمليات التصعيد المسلح التي تدفع إلى عرقلة التقدم فى تلك الملفات ، ففى سـوريا، اندلعـت مواجهـات جديدة فـى درعا، كمـا شنت مليشيا المتمردين الحوثيين عملية هجومية نوعيـة علـى السـعودية فـى 4 سـبتمبر الجـاري، سـبقها بأسـبوع هجوم كبيـر علـى قاعـدة العنـد الجويـة، بالإضافـة إلـى مشهد الصدام المسلح بيـن ميليشيات فى غرب ليبيا ، ولأسباب متعددة يمكن تفسير هذا التصعيد المتزامن في الملفات المختلفة في ضوء اعتبارات عديدة، يتمثل أبرزها في :

رفض جهود التسـوية السياسية

عـاد التصعيـد مجـدداً علـى الجبهتيـن الداخليـة والخارجيـة فـي اليمن فقد زادت المليشـيا الحوثية من كثافة و ِحدة الضربات على جبهة مأرب، كان أحـدث فصولهـا فـي مديريـة رحبة، بعد أن اســتهدفت منــازل المدنييــن علـى نطـاق واسـع، ما اضطـر الآلاف منهـم للنـزوح، بالإضافـة إلـى الهجـومً الـذي أسـقط مـا يزيـد علـى 40 قتيلاً فـى صفـوف قـوات المجلـس الانتقالـي الجنوبي فــى قاعــدة العنــد الجويــة، التـي تعرضت لضربات صاروخية وطائرات مـن دون طيـار، فـى عملية أكبــر مــن عمليــة ســابقة لهــا العــام الماضـي، على مسـتوى عـدد الضحايا ودمـار بنيـة القاعـدة الجوية ، وتوازى ذلك مــع التصعيد الحوثي ضد السعودية، في 4 سبتمبر الجاري، والذي سجل أحد أعلى الهجمات
خلال الاشهر الستة الأخيرة بعد عملية 7 مـارس الماضي ، وعلى الرغـم مـن نجاح السعودية في احباط الهجمات، إلا أن دلالاتهـا تشـير إلـى أن المتمرديـن الحوثييـن يسـعون إلـى تأكيـد رفضهـم لخطـة تسـوية مرتقبة مع تسـلم المبعـوث الأممي الجديـد هانـز جروندبـرج مهـام منصبـه عشـية تلـك الضربات .

تغيير توازنات القوى العسكرية

وهو مـا يبـدو جليـاً فـي حالـة سـوريا، التـي شـهدت انـدلاع مواجهـات بيـن قـوات الجيـش السـوري، وبيـن فصائـل المعارضـة فـى درعـا، بمـا يعـد انتهـاكاً لاتفـاق عـام 2018 بيـن النظـام واللجـان المركزيـة ووجهـاء حـوران فـى درعـا. وقـد بـدا لافتـاً أن انـدلاع هـذه المواجهـات تـوازى مـع اسـتمرار الوسـاطة الروسـية التـي فرضـت اتفاقـاً مرتيـن فـى غضـون شـهر واحـد، لكنـه لـم يلبـث أن انهار بسـبب عدم التـزام الأطـراف المنخرطـة فيه ببعض الاسـتحقاقات الرئيسـية، علـى غـرار رفـض بعـض العناصـر عمليـة التهجيـر مـن درعـا إلـى مناطـق الشـمال، وقيـام النظام بماحقتهـم فـى بعـض المواقـع. ورغـم أن روسـيا تؤكـد أن ذلـك لـن يمنعهـا مـن التوصـل إلـى اتفـاق نهائـي لوقـف الحـرب بيـن الطرفيـن، إلا أنـه لا تـزال ًهنـاك شـكوك بشـأن السـيطرة علـى الأوضـاع فـى درعـا علـى خلفيـة موقـف النظـام منها ورغبته فى اخضاعها سياسياً وحسم موازيـن القوى العسكرية فيها لصالحه .

محاولات تشكيل تحالفات جديدة

انفجر صدام مسلح في ليبيا بين ما يسمى بـ"قوات جهاز دعم الاستقرار"، بقيادة عبد الغني الكلي "غنيوة"، وبين "اللـواء 444"، فـى 4 سـبتمبر الجـاري، بشـكل أدى إلـى تصاعد حدة الفوضي الأمنية فى طرابلس العاصمة وعلى الرغم مـن احتواء الموقف، مـع قيام رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة باستدعاء الأطـراف ومساءلتهم بشأن ما جرى، وإطلاق المدعي العام العسكري تحقيقا فى تلك القضية، إلا انه لا يعتقد أن الأمر غيـر قابل للتكرار، لاسيما أن قـوات "جهـاز دعـم الاسـتقرار" سبق وأن شنت هجمات فى مناطق بالعجيات استهدفت فيهـا مليشيا مناوئـة لهـا، بالإضافة الى أن هناك اتجاها للسيطرة على بعض المليشيات أو الألوية فى إطار عملية تشـكيل تحالفات جديدة لإدماج أكبر عدد ممكن من تلك المليشيات تحت مظلة واحدة، بهدف إعادة هيكلة موازين القوى فى غرب ليبيا فى ظل الاستعداد لاندلاع صـراع جديـد محتمـل فـى المسـتقبل فـى حـال انتـكاس العمليـة السياسـية المتعثرة .

حسابات متقاطعة للفاعلين المنخرطين

لا يـزال لـدى بعـض الفاعليـن علـى الأرض رغبـة فى اسـتمرار التعويل على الخيار العسكري، ربما على خلاف رغبة القوى الرئيسية المنخرطة فـى تلك الصراعات أو الوسطاء ، فالنظام السوري لديه الرغبة فى اخضاع درعا وتوسيع نطاق سيطرته على الأراضي السورية، وفي حين لا يبدو أن موسكو لديها مـا يتجاوز الرغبة فى استقرار يحقق أهداف استراتيجية تتعلق بعامل الأمن فى المثلث الحدودي ما بين الأردن وإسرائيل ، بالإضافة إلى حسم أى توتـرات فـى مناطـق خفـض التصعيـد، ومـن بينها درعـا، قبيـل جولـة مرتقبـة لمحادثـات آسـتانا، فضلاً  عـن تعزيز فـرص التقارب مـع الولايـات المتحـدة الأمريكية .

تصعيد علي جبهة اليمن والسعودية

كذلك الوضع فى اليمن، فالمليشيا الحوثية تبنت الهجمـات ضـد السـعودية، وأثبتـت بالصـور الحيـة ضلوعهـا فيهـا علـى عكـس بعـض الهجمـات السـابقة، علـى نحـو دفـع اتجاهـات عديـدة إلـى ترجيـح أنهـا تريـد التاكيد على أن لديها هامش استقلال عن القرار الإيراني ، وأنهـا سـتواصل التصعيـد فـى الوقـت الـذي توجـه طهـران رسـائل تهدئـة إلـى الخـارج مع بداية فترة رئاسة الرئيس الجديد ابراهيم رئيسي ومـن بينها القوى المعنية بالملف اليمني ، أما فى حالة ليبيا، فعلى الأرجح تعمل قوات "جهاز دعم الاسـتقرار" وفق استراتيجية السيطرة على المجموعات المليشـياوية الأصغـر، لكـن تظـل رسـالتها الأساسـية هـى الاعتـراض علـى توصيـة اللجنـة العسـكرية المشـتركة التـي أكدت علـى ضـرورة إعـادة هيكلـة تلـك القـوات، بالإضافة إلى قوات مشابهة لميليشيات الردع، وبالتالـى تستنزف جهود اللجنة المشتركة فى عملية إعادة الهيكلة الأمنية .

استعادة المراحـل الأولـى للمواجهات

اللافت للانتباه فـي هـذا السـياق، أن هنـاك قاسـماً مشـتركاً فـى التصعيـد الـذي تشـهده هـذه الجبهـات، يتمثـل فـي أنهـا تستعيد المراحل الاولى من الصراعات فالهجمات فى درعـا تحمل رمزيـة للموقع الأول الـذي انطلقـت منـه الأزمـة السـورية فـي مـارس 2011. فـي حيـن أن التوجـه مجـدداً إلـى الجنـوب اليمنـي يعيـد إلـى الأذهـان حـرب الجنـوب أو معركـة عـدن ًمـا بيـن المتمرديـن الحوثيين والمقاومـة الجنوبية، عـام 2015. بينما يلقـي التصادم بيـن مليشـيات غـرب ليبيـا الضـوء مجـددا علـى محطـة "فجـر ليبيـا" فـى الصـراع الليبـي. هـذه القواسـم فـي مجملهـا تطـرح بالتأكيـد العديـد مـن الـدلالات التـي تكشـف أن الأوضـاع الأمنيـة فـى تلـك المناطـق لا تـزال هشـة، وأن عمليـة التسـوية إمـا أنهـا هشـة هـى الأخـرى، كمـا فـى حالـة اتفـاق درعـا، وربمـا بشـكل نسـبي فـى الحالـة الليبيـة، أو أنهـا تتعـرض لعراقيـل من أطـراف محـددة مثلمـا هـو الحـال فـى اليمـن، حيـث لا يسـعى المتمـردون الحوثيـون إلـى دعـم جهـود إنهـاء الأزمـة الحالية .

نتائج متقاربة

فى المحصلة الأخيرة، ربما يمكن القـول إن القواسم المشتركة قد ترتب نتائج متقاربة، حيث يبدو أن هناك استدارة فى مناطق الصراعات تهدف إلى تجاوز أى عمليات تسوية سياسية لتلـك الصراعـات، بـل والعـودة بهـا إلـى المربـع الأول، ومـن ثـم فالنتائج كاشفة عـن أن التفاعلات الراهنة فى مناطق الصراعات لا تزال قادرة على إعادة تكرار دورة الصراع دون توقف على المدى القريب والمتوسط .