اهم الاخبار
الأربعاء 03 يونيو 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

بهجت العبيدي يكتب : تفكيك المتكلس واستعادة النقاء: قراءة شاملة في مقال "القرآن رسالة الديّان" للمفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي

الوكالة نيوز

لا يمكن للقارئ الفطن، حين يطالع مقال المفكر العربي الكبير الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي المعنون بـ "القرآن رسالة الديّان"، إلا أن يجد نفسه أمام وثيقة فكرية وتنويرية من الطراز الرفيع؛ وثيقة تفيض بحجة واضحة، وتحليل مقنع، ودليل مفحم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إن هذا الطرح المستنير، والذي نسأل الله تعالى بمشيئة إلهية أن يصل إلى كل قلب وعقل مسلم، يمثل حجر زاوية في مشروع فكري فارق؛ مشروع يسعى -بجد واجتهاد المؤمنين المخلصين- إلى إعادة البشرية لنقاء الدين كما أنزله الله على نبيه الكريم: المبلغ والذي ليس له من الأمر شيء سوى البلاغ المبين.


المهمة والتكليف: الصياغة الإلهية في مواجهة التقوّل
يبدأ الأستاذ الشرفاء مقاله بالوقوف عند الآيات الحواسم من سورتي الأعراف والأحزاب، مستخلصا بعبقرية المفكر حدود التكليف الإلهي؛ فالرسول بُعث شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، ولا يملك من الأمر شيئا خارج حدود هذا الكتاب (الأعراف: 2). وكم كان رائعا وبديعا تنويه -مفكرنا الكبير- بأن الله سبحانه "صاغ" شخصية الرسول وهيأه لاستلام هذه المهمة العظمى ليرد بها البشرية من الظلمات إلى النور. ما أبرع هذا الوصف وما أبدع التعبير! إنها صياغة ربانية جعلت من المستحيل على الرسول الأمين أن يتقوّل أو يفتري على الله قولا لم يتضمنه القرآن، تماشيا مع آيات سورة الحاقة القاطعة للوتين: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ). وهنا يبطل الكاتب، بحجة قرآنية دامغة، كل مرويات الضلال والبهتان التي حاولت عبر التاريخ إلصاق الأكاذيب بمقام النبوة بدعاوى أحاديث تشرّعن ما لم يأذن به الله.
إبطال حجة المرويات والأمر بالاستمساك بالقرآن وحده 
يستدرك الأستاذ الشرفاء في المحور الثاني والثالث لمقاله، ليوجه الرمح تلو الرمح إلى صدور جامعي الروايات، مستشهدا بآية الجاثية التي لا تدع مجالا لريب: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّـهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ). إنها آية استنكار إلهية تحسم القضية تماما، وتجعل الاستمساك بالوحي وحده -كما جاء في سورة الزخرف- هو الطريق المستقيم؛ فالقرآن هو الذكر وهو المسؤولية التي سيُسأل عنها الرسول وقومه يوم الحساب. بيد أن الفقه التقليدي المتكلس، وللأسف الشديد، قدّم أقاويل البشر ومن عظموهم وقدسوهم على النص المقدس، ومن ثمّ جاء ذلك التشوه الفكري، وكان ذلك القبح، فضلّ الناس عن "الذكر" وهجروه، ليواجهوا يوم القيامة حقيقة الخذلان والخسران كما صوّرتها آيات سورتي القصص والفرقان: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا).
المؤامرة على القرآن: ليلة القدر بين الوهم والحدث العظيم
ثم نأتي إلى ذروة المقال، حيث يتأمل الكاتب الكبير مظهر التضليل الفقهي الذي مورس على عقول المسلمين في مفهوم "ليلة القدر". لقد وضع الفقهاء المسلمين في قفص الاحتفال بـ "الظرف الزماني" لليلة مجهولة الوقت، انقضت ومضت منذ أربعة عشر قرنا ولن تعود، في حين أهملوا تماما تذكير الناس بالاحتفال بـ "الحدث العظيم" وهو نزول المنهاج القرآني نفسه! كم هو مؤلم ومقنع تفكيككم لهذا الوهم؛ فالأصل هو تسابق المسلمين في التدبر والتدارس وتطبيق السلوك القرآني من رحمة وعدل وإحسان، وليس انتظار ليلة يلاحقون فيها طيف "الوهم" لطلب إجابة الدعاء كمعجزة غيبية منقطعة عن العمل والاستجابة للمنهج.
الضربة القاضية: الله قريب في كل زمان ومكان
وهنا يوجه الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي ضربته القاصمة، رمحا سدده مباشرة في عين الفقه المتكلس الخرافي، حين استدعى الآية المحكمة: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ). ولو شبهنا هذه المبارزة الفكرية بمباراة ملاكمة، لكانت هذه الآية هي "الضربة القاضية" التي صرعت أصحاب الفقه التقليدي ولن ينهضوا منها أبدا. فالله قريب في كل لحظة، وبابه مفتوح للناس جميعا في كل زمان ومكان، شريطة الاستجابة لمنهاجه، وليس محصورا في ليلة مبهمة يتكسب منها سدنة الفتاوى. هؤلاء التقليديون هم الذين حولوا دين الله النقي، الداعي إلى السلام والمحبة والتعايش والحرية، إلى نسخة مشوهة وقبيحة تبيح السلب، والنهب واحتلال الأوطان والظفر بالمغانم طمعا في الدنيا.
الخاتمة: مشروع الشرفاء هو الأمل
إن هذا المقال يكتسب أهميته القصوى لأنه يقدم عشرات الآيات البينات كدليل ساطع؛ وهل هناك للمسلم الحق دليل أدل من القرآن الكريم؟! إن تقديم الروايات البشرية أورث البشرية الفساد والظلم والحروب العبثية. ويظل مشروع الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي هو "الأمل" المتبقي لنجاة الإنسانية، لأنه يعيدها إلى طريق اليسر الإلهي (يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، داعيا الجميع للتوبة والعودة الصادقة لكتاب الله قبل أن يفجأهم الأجل، ويقفوا بين يدي الفعّال لما يريد في يوم لا تكلم نفس فيه إلا بإذنه، فمنهم شقي وسعيد.