بأقلامهم
د هشام النجار بكتب : التدبر القرآني وميلاد الرؤية الإصلاحية.. كيف تشكّلت قراءات علي الشرفاء الحمادي للقضايا الكبرى؟
عندما يتابع الباحث المُدقِّق مشروع المفكر العربي الكبير الأستاذ علي الشرفاء الحمادي عبر كتبه ومقالاته ومبادراته الفكرية، يلحظ ظاهرة تستحق التأمل؛ فالرجل يتناول ملفات تُعدُّ من أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للخلاف في المجالين الديني والاجتماعي مثل: قضايا المرأة والأحوال الشخصية، والفقر والتفاوت الطبقي، والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، والجهاد والقتال، والدولة والمجتمع، والإرهاب والتطرف، وتجديد الخطاب الديني، ثم ينتهي في كل مرة إلى نتائج تبدو مختلفة بصورة لافتة عن كثير من التصورات السائدة في التراث الفقهي أو الخطاب الديني المعاصر.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف وصل الشرفاء إلى هذه النتائج؟
فالنص القرآني الذي استند إليه الأستاذ علي الشرفاء هو ذاته النص الذي قرأه ملايين المسلمين عبر القرون، والآيات التي استشهد بها هي نفسها الآيات الموجودة في المصحف الذي بين أيدي الجميع، فما الذي جعل المخرجات الفكرية مختلفة إلى هذا الحد عن السائد وعما يسمعه الناس من شيوخ وغيرهم في الفضائيات والإعلام؟
تكمن الإجابة في اختلاف منهج القراءة.
فالقرآن الكريم يقدم نفسه باعتباره كتاب هداية مفتوحًا للإنسان الذي يطلب الحق بإخلاص وتجرد، ولذلك لم يجعل الله المدخل إلى فهم القرآن هو التقليد، لكنه أمر بالتدبر.
قال تعالى:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ).
وقال سبحانه:
(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
اللافت أن القرآن وجّه المؤمنين مباشرة إلى تدبر آياته، ولم يأمرهم بحفظ أقوال الرجال، ولم يأمرهم باتباع اجتهادات السابقين، لأن التدبر هو العملية العقلية التي تُمكّن الإنسان من اكتشاف المقاصد الإلهية الكامنة وراء النص.
يمكن إذن فهم المنهج الذي يحكم المشروع الإصلاحي للمفكر الأستاذ علي الشرفاء كله.
فالرجل يبدأ من القرآن نفسه، ثم يجمع الآيات المتعلقة بالقضية الواحدة، ويربط بينها، ويحاول استنطاقها في إطار وحدتها الموضوعية، حتى تتشكل الصورة الكاملة.
لا الأستاذ الشرفاء يبدأ من المذهب ليبحث له عن دليل، ولا يبدأ من الرواية ليُخضع لها القرآن، ولا يبدأ من الواقع ليبحث عما يبرره، فقط يبدأ من القرآن، وهذا هو سر الاختلاف.
لعل هذه النقطة المحورية الرئيسية هي مفتاح فهم جميع النتائج التي انتهى إليها.
ففي قضية الأحوال الشخصية الأخيرة على خلفية الجدل الدائر حول القانون الجديد، عاد الأستاذ الكبير علي الشرفاء إلى الآيات التي نظمت الأسرة والزواج والطلاق والميراث، مكتشفًا المقاصد التي أرادها التشريع الإلهي لحماية الأسرة وتحقيق العدل بين أفرادها، ولم ينطلق من تراكمات فقهية عمرها قرون.
وفي قضية الفقر نظر أستاذنا الكبير علي الشرفاء إلى مجمل الآيات التي تتحدث عن المال والإنفاق والحق المعلوم للفقراء والتكافل الاجتماعي، ليصل إلى رؤية ترى أن القضاء على الفقر مقصد أصيل من مقاصد التشريع القرآني، ولم يتوقف عند مفهوم الزكاة باعتبارها صدقة موسمية محدودة، أو كعمل تطوعي.
وفي قضية العلاقة بين المسلمين والمسيحيين عاد الأستاذ الشرفاء إلى الآيات التي تتحدث عن الرسل جميعًا ووحدة الرسالات الإلهية واحترام العقائد وحرية الاختيار الإنسانيوتكريم القرآن الكريم للسيدة مريم العذراء وللسيد المسيح عليهما السلام، ليستخرج منها رؤية تؤكد أن الصدام الديني ليس قدرًا محتومًا، وأن القرآن يضع أساسًا متينًا للتعايش والسلام بين أتباع الرسالات، ولم يبدأ من تاريخ الصراعات والحروب والموروثات الجدلية.
وفي قضية الجهاد والقتال جمع كل الآيات المتعلقة بالحرب والسلم والعدوان والدفاع والحرية الدينية، فخرج بنتيجة مختلفة عن تلك التي بنت عليها جماعات العنف والتكفير مشروعاتها الفكرية ولم يعزل آيات القتال عن سياقاتها ومقاصدها.
القاسم المشترك بين هذه القضايا جميعًا هو أن المفكر الكبير الأستاذ علي الشرفاء يتعامل مع الآية باعتبارها جزءًا من منظومة قرآنية متكاملة ولا يتعامل معها باعتبارها نصًا منفصلًا.
تظهر هنا أهمية التدبُّر كونَه منهجًا معرفيًا لا مجرد ممارسة تعبدية.
فالتدبر في جوهره تتبع الموضوع القرآني في جميع مواضعه، والانتقال من المُجمَل إلى المُفصَّل، ومن المُحكم إلى ما يشرحه من الآيات الأخرى، حتى تتجمع أجزاء الصورة في نسق واحد.
ولهذا يقول تعالى:
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ).
فالآيات المحكمة تمثل الأساس المرجعي الذي تُرد إليه سائر الآيات، أما المتشابهات فتفصل المعاني وتوسع دلالاتها وتوضح تطبيقاتها.
يبحث المنهج التدبري عن الخيط الناظم الذي يجمع الآيات كلها في موضوع واحد، ولا يكتفي بآية واحدة ولا بنص مبتور.
هذا ما يفسر لماذا انتهى كثير من أصحاب القراءات الجزئية إلى نتائج متناقضة، بينما انتهى أصحاب القراءة الكلية إلى نتائج مختلفة.
فالقرآن حينما يُقرأ مجزأً يمكن أن يتحول إلى مادة للخصومة والانقسام، أما عندما يُقرأ وحدة متكاملة، فإن مقاصده الكبرى تظهر بوضوح: العدل، والرحمة، والحرية، والتكافل، وصيانة الكرامة الإنسانية، وإقامة السلام بين البشر.
ومن اللافت أن هذه القيم الكبرى هي نفسها القيم التي تتكرر باستمرار في مشروع أستاذنا علي الشرفاء الفكري.
فكلما تعمق المرء في كتابات الأستاذ الشرفاء اكتشف أن مركز الثقل فيها هو إعادة اكتشاف المقاصد القرآنية التي أرادها الله للإنسان.
ولهذا فإن سر الاختلاف الحقيقي بين رؤيته ورؤى كثير من الاتجاهات الأخرى يعود إلى اختلاف المنهج الذي يُقرأ بهالنص.
فالقرآن واحد.
لكن الفارق بين من يقرأه بعين الموروث، ومن يقرأ الموروث على ضوء القرآن، هو الفارق بين من يبحث عما يؤكد ما يعتقدهمُسبقًا، ومن يبحث عما يريده اللهُ من عباده.
يمكن القول إن مشروع أستاذنا الكبير علي الشرفاء في جوهره بمثابة إعادة الاعتبار إلى التدبُّر القرآني باعتباره الطريق الذي أراده الله لفهم رسالته الخاتمة.
وعندما يعود المسلمون إلى هذا المنهج، ويتعاملون مع القرآن باعتباره المرجع الأعلى والحاكم على ما سواه، يصبح من الممكن أن يعود الإسلام قادرًا على تقديم حلول معاصرة لأزمات الإنسان، تمامًا كما كان كتاب هداية وإصلاح وبناء حينما نزل أول مرة على البشرية.
التدبر أداة الشرفاء لاكتشاف المقاصد الإلهية
لعل السمة الأبرز في منهج المفكر الكبير أستاذنا علي الشرفاء الحمادي أنه يتعامل مع الآيات القرآنية باعتبارها مفاتيح تقود إلى اكتشاف المقاصد الإلهية التي نزل التشريع لتحقيقها في حياة الناس، لا باعتبارها نصوصًا قانونية جامدة تُقتنص منها الأحكام اقتناصًا.
التدبر عند الأستاذ الشرفاء هو رحلة بحث عن الحكمة التي تنتظم النصوص جميعًا وتمنحها وحدتها الداخلية وليس مجرد جمع للآيات أو استخراج للأحكام، ولذلك نجده ينتقل دائمًا من ظاهر الحكم إلى غايته، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن النص المفرد إلى المنظومة القرآنية الشاملة.
حينما يتدبر الأستاذ الشرفاء آيات الأسرة يبحث عن مقصد العدل والرحمة وصيانة الكرامة الإنسانية، وعندما يتدبر آيات المال والزكاة يبحث عن مقصد القضاء على الفقر ومنع تركز الثروة وإقامة التكافل الاجتماعي، وحينما يتدبر آيات القتال يبحث عن مقصد حماية الإنسان ورد العدوان وترسيخ السلام، وعندما يتدبر آيات العلاقة مع أهل الكتاب يبحث عن مقصد التعارف والتعايش والاعتراف بوحدة المصدر الإلهي للرسالات.
لذلك صارت رؤى الأستاذ الشرفاء مختلفة عن القراءات التقليدية –القديمة والمعاصرة- التي توقفت عند ظواهر النصوص أو عند اجتهادات تاريخية ارتبطت بظروف زمانها، بينما انطلق هو إلى ما وراء الألفاظ بحثًا عن المقصد الذي من أجله شُرع الحكم أصلًا.
ولهذا جاءت معالجاته المتنوعة لقضايا المرأة والفقر والتطرف والصراع الديني والأحوال الشخصية متسقة في جوهرها رغم اختلاف موضوعاتها، لأنها جميعًا تصدر عن مرجعية واحدة هي قراءة القرآن باعتباره مشروعًا إلهيًا متكاملًا لإقامة العدل والرحمة والحرية والسلام بين الناس، لا مجرد كتاب للأحكام المجردة أو الروايات التاريخية، وهو ما يجعل التدبر في مشروعه أداة لاكتشاف فلسفة التشريع الإلهي وآفاقه الحضارية وقدرته المتجددة على تقديم حلول لأزمات الإنسان في كل عصر، وليس وسيلة لفهم النص فحسب.