اهم الاخبار
الإثنين 27 سبتمبر 2021
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

تراكم الخلافات.. لماذا وصل التوتر بين الجزائر والمغرب إلى مستوى قطع العلاقات؟

ملفات التوتر تتفاقم وهوة الشقاق تتسع.. كلاهما تري في الأخرى مصدراً يهدد أمنها القومي

الوكالة نيوز

لم يكن القرار الذي اتخذته الجزائر، في 24 أغسطس الجاري، بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، مفاجئاً حتى بالنسبة للأخيرة إذ أن هذه الخطوة كانت محصلة خلافات متراكمة بين الطرفين تصاعدت حدتها في الفترة الأخيرة، على خلفية التباين في التعامل مع بعض الملفات الداخلية والإقليمية، لاسيما ما يتعلق باستمرار التباين حول قضية الصحراء، وهو الملف الأكثر صعوبة، فضلاً عن تبادل الاتهامات الخاصة بالتدخل في الشئون الداخلية، إلى جانب تفاقم التنافس على المستوى الإقليمي سواء فيما يتعلق بمحاولة كل طرف تعزيز حضوره على الصعيد الأفريقي سياسياً واقتصادياً، أو فيما يتصل بموقفهما من التمدد الإيراني في المنطقة ، الأمر الذي يفسر اعتبار كلتا الدولتين مصدر تهديد للأمن الوطني للدولة الأخرى، وفقاً للمدركات السائدة لدى نخبتى الحكم فيهما . 

وزيــر الخارجيــة الجزائــري رمطـان لعمامـرة

رسائل مسبقة

أعلــن وزيــر الخارجيــة الجزائــري رمطـان لعمامـرة، فـي 24 أغسـطس الجـاري، قطـع العلاقـات الدبلوماسـية مــع المغــرب ابتــدا ًء مــن اليــوم نفسـه، مضيفـاً أن القنصليـات سـوف تظــل مفتوحــة، ومرجحــاً عــدم تأثــر المواطنيـن مـن البلديـن بهـذا القـرار وهنـا تجـدر الإشـارة إلـى ملاحظتيـن رئيسـيتين : 

" الأولـى "  ، أن الجزائـر مهدت الطريـق أمـام هـذا القـرار، قبـل ذلـك بنحـو أسـبوع، عنـدم ألمحـت، فـي 18 مــن الشــهر نفســه، إلــى أنهــا ســوف تعيـد النظـر فـي علاقاتهـا مـع المغرب بعـد اتهامهـا بالقيـام بـ " أعمـال عدائية " ، " والثانيــة " ، أن القــرار جــاء بعــد فتــرة وجيــزة مــن الدعــوة الجديــدة التــي وجههـا العاهـل المغربـي الملـك محمد الســادس إلــى الجزائــر ، فــي أول أغسـطس الجـاري، بفتـح الحـدود بيـن الطرفيـن والمغلقـة منـذ عـام 1994، كمـا جـاء بعـد أيـام مـن إصـداره تعليمـات إلـى وزيـرى الخارجية والداخليـة بالتعبيـر لنظيريهمـا الجزائرييـن عـن اسـتعداد المملكـة للمسـاعدة فـي جهـود إطفـاء الحرائق التــي اندلعــت فــي الجزائــر خــلال الفتــرة الأخيــرة.

وهناك تفسيرات متعددة للأزمة طرحها مركز العالم العربي للدراسات والابحاث المتقدمة يمكـن القـول إن ثمـة أسـباباً عديـدة أدت إلـى وصـول العلاقـات بيـن الجزائـر والمغـرب إلـى هـذا المسـتوى ، يمكـن تناولهـا علـى النحـو التالـي :

1- تغيـر التوازنـات بملـف الصحـراء

مـا زال ملـف الصحـراء يمثـل الرقـم الصعب فـي الخلافات بيـن الجزائـر والمغـرب صحيـح أن الخـلاف حـول هـذا الملـف ليـس جديـداً، إلا أنـه بـدا متجـدداً بفعـل التطـورات المتعـددة التـي شـهدها فـي الفتـرة الأخيـرة، لاسـيما مـا يتعلـق بنجـاح المغـرب فـي اسـتقطاب تأييـد العديـد مـن القوى الدولية والإقليميـة لموقفها إزاءه وقـد كان اعتـراف الولايات المتحدة الأمريكيـة، فـي عهـد الرئيـس السـابق دونالـد ترامـب، فـي 10 ديسـمبر 2020، بـ"مغربيـة الصحراء" بمثابـة التطـور الأهـم الـذي عـزز الموقـف المغربـي علـى المسـتويين الأفريقـي والدولـي، علـى نحـو اعتبرته اتجاهـات عديـدة بمثابـة  " إنجـاز أو انتصـار جيوسياسـي " غيـر مسـبوق للمغـرب ، وقـد أثـار هـذا القـرار اسـتياء الجزائـر، التـي أكـدت أنـه "ليـس لـه أثـر قانونـي لأنـه يتعارض مـع جميع قـرارات  الأمـم المتحـدة وخاصـة قـرارات مجلـس الأمـن بشـأن مسـألة الصحـراء".

2- تعزيـز الحضـور المغربـي الأفريقـي 

أجـرت الربـاط تغييـراً رئيسـياً فـي سياسـتها إزاء العلاقـات مـع الـدول الأفريقيـة منـذ عـام 2017 عندمـا اسـتعادت عضويـة الاتحـاد الأفريقـي فـي 30 ينايـر مـن هـذا العـام، بعـد نحـو 32 عامـاً انسـحبت خلالهـا مـن منظمـة الوحـدة الأفريقيـة علـى خلفيـة القـرار الـذي اتخذتـه فـي عـام 1984 بقبـول عضويـة مـا يسـمى بـ"الجمهوريـة الصحراويـة". وهنـا، فـإن هـذه الخطـوة التـي اتخذتهـا المغـرب كشـفت عن إدراكهـا لحجم التأثيـر الذي فرضـه غيابها عـن السـاحة الأفريقيـة علـى موقعهـا إزاء الأزمـة، خاصـة فـي ظـل الحضـور الجزائـري القـوي علـى السـاحة الأفريقيـة وعلاقاتهـا القويـة مـع العديـد مـن القـوى الأفريقيـة المحوريـة علـى غـرار نيجيريـا وجنـوب أفريقيـا وأثيوبيـا (التـي تسـتضيف مقـر الاتحـاد الأفريقـي).

ووفقـاً لتقاريـر عديـدة، فـإن العاهـل المغربـي الملـك محمـد السـادس قام بنحـو 50 زيـارة إلـى 27 دولة أفريقيـة فـي الفتـرة مـن عـام 2000 وحتـى عـام 2017، فـي إشـارة إلـى تزايـد اهتمـام الربـاط بتعزيـز علاقاتهـا مـع الـدول الأفريقيـة والحصـول علـى دعـم الأخيـرة لموقفهـا مـن قضيـة الصحـراء. وطبقـاً لتقريـر صـادر عـن مديريـة الدراسـات والتوقعـات الماليـة التابعة لـوزارة الاقتصـاد والماليـة المغربية، فـي بدايـة أبريـل 2021، فـإن الاسـتثمارات المغربيـة فـي القـارة الأفريقيـة ارتفعـت مـن 907 مليـون درهـم فـي عـام 2007 إلـى 5.4 مليـار درهـم فـي عـام 2019 (الـدولار= 8.99 درهـم)، بمـا يمثـل نحـو 47% مـن إجمالـي الاسـتثمارات المغربيـة فـي الخـارج. وتتـوزع الاسـتثمارات علـى العديـد مـن الـدول الأفريقيـة مثـل كـوت ديفـوار (13% مـن الاسـتثمارات المغربيـة المباشـرة للقـارة الأفريقيـة فـي عام 2019)، وتشـاد (12%)، والسـنغال (9%) ومدغشـقر (7%) والكاميرون (4%) وجزر موريشـيوس 3 %  ، وكانــت مــالاوي، علــى ســبيل المثــال، إحــدى الــدول الأفريقيــة التــي غيــرت موقفهــا إزاء جبهــة البوليسـاريو، بعـد أن سـحبت اعترافهـا بهـا فـي عـام 2017 بالتزامـن مـع عـودة المغـرب إلـى الاتحـاد الأفريقـي، وكانـت إحـدى الـدول التـي افتتحـت قنصليـة لهـا فـي مدينـة العيـون بالصحراء، ليصـل عدد الـدول التـي افتتحـت قنصليـات فـي الأخيـرة إلـى 24 دولـة، حتـى نهايـة يوليـو 2021.

3- تصاعـد الصـراع علـى ممـرات الطاقـة 

اتسـع نطـاق التنافـس بين الجزائـر والمغرب علـى التحول إلـى محـور اسـتراتيجي لنقـل الطاقـة مـن الـدول الأفريقيـة إلـى نظيرتهـا الأوروبيـة ، واللافـت فـي هـذا السـياق، هـو أن وزيـر الخارجيـة الجزائـري رمطـان لعمامـرة أشـار، عقـب إعـلان قـرار قطـع العلاقـات الدبلوماسـية، إلـى هـذا الملـف تحديـداً، عندمـا ركـز علـى الإجـراءات التـي سـوف تتخذهـا دولتـه فيمـا يتعلـق بخـط الأنابيـب الـذي يمـد أوروبـا بالغـاز الجزائـري عبـر الأراضـي المغربيـة، والـذي ينتهـي الاتفـاق الخـاص بـه فـي 31 أكتوبـر القـادم، حيـث قـال فـي هـذا السـياق: "فيمـا يخـص ملـف الغـاز، سـيتم اتخـاذ قـرار لشـركة المحروقـات (سـوناطراك)، بعـد إجراء تقييـم وفـق الاعتبارات الدوليـة ومـا يتناسـب مـع الوضـع الجديـد". ورغـم أن المغـرب أعلنت رغبتهـا، قبل الخطـوة الجزائرية الأخيـرة، فـي تمديـد الاتفـاق، إلا أن تصريحـات لعمامـرة تشـير إلى أن مسـتقبل هذا الاتفـاق بات يكتنفه الغمـوض، لاسـيما بعـد أن أشـارت وسـائل الإعـلام الجزائريـة إلـى أن السـلطات الجزائريـة قـد تقـدم علـى وقـف العمـل بالاتفـاق .

وتشـير تقاريـر جزائريـة إلـى أن المغـرب حصلـت علـى إيـرادات مـن عبـور الغـاز الجزائـري مـن أراضيهـا تقـدر بــ170 مليـون دولار فـي عـام 2018، انخفضـت إلـى 113 مليـون دولار فـي عـام 2019، ثـم إلـى 56 مليـون دولار فـي عـام 2020. ووفقـاً لذلـك، فـإن المغـرب تحصـل علـى هـذه الإيـرادات فـي صـورة غـاز طبيعـي تقـدر كميتـه بنحـو 600 مليـون متـر مكعـب سـنوياً.

وهنـا، لا يمكـن فصـل الجـدل المتصاعـد حـول هـذا الخـط عـن الجهـود التـي تبذلهـا المغـرب لتدشـين مشـروع اسـتراتيجي جديـد مـع نيجيريـا لنقـل الغـاز النيجيـري إلـى الـدول الأوروبيـة عبر خـط أنابيب يمـر بــ13 دولـة أفريقيـة حتـى يصـل إلـى المغـرب وفقـاً للاتفـاق الموقـع بيـن الطرفيـن فـي يونيـو 2018. هـذا الخـط تحديـداً يطـرح دلالتيـن أساسـيتين: الأولـى، أن المغـرب بـدأت تبحـث عـن توسـيع هامـش الخيـارات المتاحـة أمامهـا فيمـا يتعلـق بتوفيـر مصـادر جديـدة لإمدادهـا بالغـاز، لاسـيما فـي ظـل اسـتمرار الخلافـات مـع الجزائـر التـي انتهت بقطـع العلاقـات الدبلوماسـية. والثانيـة، أن المغرب حاولـت اسـتثمار علاقاتهـا المتناميـة مـع بعـض القـوى الأفريقيـة، لاسـيما نيجيريـا، علـى المسـتوى الاقتصـادي، مـن أجـل تغييـر، أو علـى الأقـل تحييـد موقفهـا، مـن قضيـة الصحـراء.

4- الاتهامـات بالتدخـل فـي الشـئون الداخليـة

ففـي مقابـل الاتهامـات التـي توجههـا المغـرب باسـتمرار إلـى الجزائـر بالتدخـل فـي شـئونها الداخليـة عبـر دعـم جبهـة البوليسـاريو، فـإن الجزائـر بـدأت بدورهـا فـي توجيـه اتهامـات للمغـرب بدعـم بعـض الأطـراف الانفصاليـة فـي الداخـل. ففـي 18 يوليـو الفائـت، أعلنـت الجزائـر اسـتدعاء سـفيرها لـدى الرباط فوراً للتشـاور، وكشـف بيـان وزارة الخارجيـة الجزائريـة أنهـا "طلبـت توضيحـاً مـن المملكـة المغربيـة بخصـوص موقفهـا النهائـي مـن الوضـع بالـغ الخطـورة الناجـم عـن التصريحات المرفوضة لسـفيرها بنيويـورك، ونظـراً لغياب صدى إيجابـي ومناسـب مـن الجانـب المغربـي، تقـرر اليوم اسـتدعاء سـفير الجزائـر بالرباط"، مشـيرة إلى أن السـفير المغربـي فـي الأمـم المتحـدة قـام بتوزيـع وثيقـة علـى وزراء خارجيـة دول عدم الانحيـاز يومي 13 و14 يوليـو الفائـت، اعتبـرت أن "منطقـة القبائـل الأمازيغيـة شـرق الجزائـر تحـت الاسـتعمار، ودعـت إلـى منحهـا حـق تقريـر المصيـر".

ولا ينفصـل ذلـك مـن دون شـك، عـن الاتهامـات التـي وجهتهـا الجزائـر، فـي 18 أغسـطس الجـاري، إلـى المغـرب بـ"التـورط فـي الحرائـق" التـي اندلعـت فـي الأولـى خـلال الفتـرة الماضيـة- رغـم أن الربـاط قدمـت عرضـاً بالمسـاهمة فـي جهـود إطفاءهـا، وتجاهلـت الجزائـر الـرد- فضـلاً عـن اتهامهـا بدعـم حركـة "مـاك" التـى صنفتهـا السـلطات الجزائريـة- مـع حركـة رشـاد- كجماعتيـن إرهابيتين في مايـو الماضـي بسـبب اتهامهمـا بالتخطيـط لارتـكاب أعمـال إرهابيـة وتهديد الأمـن القومـي الجزائري.

5- التعامـل مـع التمـدد الإيرانـي

تتبايـن سياسـة الدولتيـن فـي التعامـل مـع بعـض القـوى الإقليميـة، لاسـيما إيـران التـي سـعت إلـى تعزيـز حضورهـا فـي منطقـة شـمال أفريقيـا خـلال الفتـرة الماضيـة مسـتغلة فـي هـذا السـياق علاقاتهـا القويـة مـع الجزائـر. فقـد أعلنـت المغـرب قطـع علاقاتهـا الدبلوماسـية مـع إيـران فـي 2 مايـو 2018، بعـد تأكدهـا مـن دعـم إيـران وحـزب الله اللبنانـي لجبهـة البوليسـاريو. فيمـا اتخـذت الجزائـر خطـوات إجرائيـة عديـدة لتطويـر علاقاتها مـع إيـران، كان آخرها حضـور رئيـس الـوزراء الجزائـري أيمـن بـن عبـد الرحمـن مراسـم تنصيـب الرئيـس الإيرانـي الجديد إبراهيـم رئيسـي فـي 5 أغسـطس الجـاري.

وقـد كان لافتـاً أن العلاقـات الجزائريـة- الإيرانيـة كانـت حاضـرة خـلال الزيـارة التـي قـام بهـا وزيـر الخارجيـة الإسـرائيلي يائيـر لابيـد إلـى الربـاط، خـلال الفتـرة (11- 13 أغسـطس الجـاري)، حيـث أعـرب عـن قلقـه مـن "التقـارب الجزائـري- الإيرانـي"، موجهـاً انتقـادات للجزائـر بشـن حملـة ضـد قبـول إسـرائيل بصفـة مراقـب فـي الاتحـاد الأفريقـي. إذ تـرى القيـادة السياسـية الجزائريـة أن المغـرب لجـأت لذلـك فـي إطـار "الاسـتقواء" بإسـرائيل لتهديـد الأمـن القومـي الجزائـري، ووجهـت الجزائـر اتهامـاً للمغـرب بتحريـض وزيـر الخارجيـة الإسـرائيلي لـإدلاء بهـذه التصريحـات التـي وصفتهـا بـ"المغلوطـة" والتـي "تمـس السـيادة الجزائريـة".

ملفات مفتوحة

فـي النهايـة، ربمـا يمكـن القـول إن قطـع العلاقات الدبلوماسـية قـد لا يكون الخطـوة الأخيرة فـي الأزمة بيـن الجزائـر والمغـرب، لاسـيما أن ثمـة ملفـات عديـدة بيـن الطرفيـن مـا زالـت مفتوحـة، خاصة على صعيـد العلاقـات الثنائيـة، بمـا يشـير إلـى أن رسـائل التوتـر قـد تسـتمر بيـن الدولتيـن خـلال المرحلـة القادمة .