اهم الاخبار
الثلاثاء 21 سبتمبر 2021
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

سلاح الطاقة.. لماذا ترسل إيران الوقود إلى بؤر الأزمات العربية؟

- تساهم في تصاعد التوترات الداخلية .. تدعم المتمردين في اليمن وحزب الله في لبنان والارهابيين بالعراق وسوريا

الوكالة نيوز

حوّلت إيران، خلال السنوات الأخيرة، الوقود إلى أحد أهم أدوات سياستها الإقليمية ، فعلى امتداد بؤر الصراعات والأزمات بالمنطقة العربية، سعت طهران إلى تعزيز حضورها من خلال إرسال شحنات الوقود مستغلة في ذلك تعرض بعض الدول، مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق، إلى أزمات اقتصادية واجتماعية حادة وبقدر ما كانت هذه السياسة تخدم المصالح الإيرانية ومصالح وكلاء طهران، فإنها أيضاً انطوت على أبعاد سلبية على بؤر الأزمات، إذ أنها ساهمت في تصاعد التوترات الداخلية في بعض الدول، وذلك على غرار ما جرى في لبنان بعد إعلان حزب الله، في 19 أغسطس الجاري، عن استيراد الوقود مع إيران، وهو القرار الذي أدى إلى نشوب خلافات سياسية حادة داخل لبنان، وخاصة أنه أظهر الحزب على أنه صاحب القرار السياسي في المشهد اللبناني بعيداً عن مؤسسات الدولة .

اتجاه متصاعد 

شـهدت السـنوات الأخيـرة تصاعـداً فـي اسـتخدام إيـران لشـحنات الوقـود كواحـدة مـن أدوات سياسـتها
الإقليميـة فـي المنطقـة العربيـة ، فقـد اعتـاد النظـام السـوري منـذ بدايـة الصـراع الداخلـي فـي عـام 2011 الاسـتناد إلـى إمـدادات الوقـود الإيرانـي ، ووفقـاً لبعـض التقديـرات، فـإن النظـام اعتمـد علـى حليفتـه إيـران للحصـول علـى 70 ألـف برميـل يوميـاً فـي المتوسـط، كمـا تشـير تقديـرات أخـرى إلـى أن شـحنات النفـط التـي قدمتهـا طهـران للنظـام خـال الفتـرة مـن 2013 إلـى 2018، تجـاوزت قيمتها عشـرة مليـارات دولار.

وسـعت إيـران إلـى تعزيـز نفوذهـا داخـل العـراق عبـر توريـد الغـاز الطبيعـي للأخيـرة، والـذي يمثـل عنصـراً هامـاً فـي تشـغيل محطـات توليـد الكهربـاء .

ففـي تصريحـات لوزيـر النفـط العراقـي إحسـان  عبـد الجبـار، فـي 22 إبريـل 2021، كشـف عـن اسـتيراد العـراق 50 مليـون متـر مكعـب مـن الغـاز مـن إيـران لتوفيـر الطاقـة الكهربائيـة يوميـاً، وأكـد حينهـا أيضـاً علـى أن "العراق سـيبقى معتمـداً على الغـاز الإيرانـي لغايـة 2024 لتشـغيل محطـات إنتـاج الطاقة الكهربائية فـي البلاد "، موضحـاً أن " لديهم مشـكلة فـي اسـتيراد الغـاز الإيرانـي تتمثـل فـي عـدم اسـتقرار التدفـق والبحـث جار عـن بدائـل" ، وفي 2 مايـو الماضـي، أشـار وزيـر النفـط الإيرانـي بيجـن نامـدار زنكنـه، أثناء اجتمـاع مع وزيـر الكهرباء العراقـي ماجـد مهـدي حنتـوش، إلـى أن إيـران صـ ّدرت 27 مليـار متـر مكعـب مـن الغـاز الإيرانـي إلـى العـراق. وبالرغـم مـن المشـكات التـي واجهـت توريـد الغـاز الإيراني للعـراق نتيجة لتزايـد ديون العـراق المسـتحقة لإيـران نظيـر توريـد الغـاز، فليـس مـن المرجـح أن تقطـع إيـران إمـدادات الغـاز
لبغـداد لأنهـا أداة هامـة للحفـاظ علـى النفـوذ الإيرانـي هنـاك .

ومثلـت الحالتـان اللبنانيـة واليمنيـة نمـاذج بـارزة لتفعيـل سياسـة الوقـود الإيرانـي في المنطقـة ، فقد ظل حـزب الله ُيلّوح، بيـن الحيـن والآخـر، بورقـة إمـدادات الوقـود الإيرانـي، حتـى جـاء الأميـن العـام للحـزب حسـن نصـر الله، فـي 19 أغسـطس الحالـي، ليؤكـد بـدء اسـتيراد الغاز والمـازوت مـن إيران، وذكـر أن " شـحنة وقـود سـتبحر مـن إيـران إلـى لبنـان خال سـاعات وسـتعقبها المزيد من الشـحنات "، وحـذر الولايـات المتحـدة الأمريكية وإسـرائيل من أن " السـفينة سـتكون أرضاً لبنانية بمجـرد إبحارها ".

وفـي سـياق متصـل، انكشـف دعـم إيـران للمتمرديـن الحوثييـن فـي اليمـن بالوقـود خـال السـنوات الماضيـة ، فعلـى سـبيل المثـال، كشـف تقريـر للجنـة خبـراء فـي الأمـم المتحـدة، فـي 19 ينايـر 2019، أن " عائـدات وقـود يشـحن بطريقـة غيـر قانونيـة مـن موانـئ فـي إيـران تسـهم فـي تمويـل حـرب الحوثييـن ضـد قـوات الحكومـة الشـرعية فـي اليمـن "، وذكـر التقريـر أنـه تـم " تحديـد عـدد صغيـر من الشـركات، سـواء داخـل اليمـن أو خارجـه، تعمـل كشـركات واجهـة، وتقـوم باسـتخدام وثائـق مزيفـة لإخفـاء المسـاعدات النفطيـة الإيرانيـة للحوثييـن ".

كمـا دلـل علـى هـذا التوجـه الإيرانـي قـرار وزارة الخزانـة الأمريكية، فـي 10 يونيـو الماضي، بفرض عقوبـات علـى كيانـات وأفـراد يمنييـن لارتباطهـم بإيـران، وتضمنـت العقوبـات شـبكة تهريـب تسـاعد فـي تمويـل فيلـق القـدس التابـع للحـرس الثـوري الإيرانـي وجماعـة الحوثـي فـي اليمـن ، ووفقـاً لبيـان وزارة الخزانـة الأمريكيـة، فـإن الشـبكة يقودهـا الممـول الحوثي سـعيد الجمـال المقيم في إيـران، ويدير شـبكة مـن الشـركات والسـفن والتـي تهـرب الوقـود والمنتجـات البتروليـة والسـلع الإيرانيـة الأخـرى إلـى العمـلاء فـي جميـع أنحـاء الشـرق الأوسـط وإفريقيـا وآسـيا ، وأضـاف البيـان أن "هـذه الشـبكة تـدر عشـرات الملايين مـن الـدولارات مـن عائـدات بيـع السـلع، مثـل البتـرول الإيرانـي، والتـي يتـم بعـد ذلـك توجيـه جـزء كبيـر منهـا عبـر شـبكة معقـدة مـن الوسـطاء والتبـادل فـي دول متعـددة للحوثيين في اليمن ".

أهداف رئيسية

ترتبـط سياسـة الوقـود الإيرانيـة فـي بـؤر الأزمـات العربيـة بعـدد مـن الأهـداف الرئيسـية المتمثلـة فيما يلي :

1- دعـم النفـوذ الإيرانـي:

سـعت طهـران مـن خـال إمـدادات الوقـود إلـى توسـيع مسـاحة نفوذهـا فـي المنطقـة، والتأكيـد علـى تداخلهـا فـي أكثر مـن دولة بالمنطقـة، كما تراهن إيـران على إمكانية اسـتخدام هـذه الورقـة لتحسـين صورتهـا فـي المنطقـة وتقديـم نفسـها كطرف يسـاعد في مواجهـة الأزمـات التي تعانـي منهـا بعـض الـدول. وتعـول طهـران فـي هـذا الإطـار علـى تعرض هـذه الـدول لأزمـات داخلية حـادة وذلـك علـى غـرار لبنـان الـذي يعانـي مـن أزمـة اقتصاديـة حـادة انعكسـت تجلياتهـا علـى قطـاع
الطاقـة وإمـدادات الوقود.

2- مسـاعدة الحلفـاء الإقليمييـن:

تمـارس إمـدادات الطاقـة الإيرانيـة دوراً هامـاً في دعـم حلفاء طهران ووكاءهـا فـي المنطقـة. ففي سـوريا، سـاعدت هـذه الإمـدادات النظام السـوري على مواجهـة الأزمات والالتفـاف علـى العقوبـات الغربيـة المفروضـة عليـه، وخصوصـاً أن الصـراع أدى إلـى فقـدان النظـام لمناطـق تتواجـد فيهـا مصـادر للنفـط بعـد خضوعها لقـوى المعارضـة والتنظيمـات الإرهابيـة ، والأمر ذاتـه بالنسـبة للمتمرديـن الحوثييـن وحـزب الله اللبنانـي، فإمدادات الوقـود الإيرانية اضطلعت بـدور هام فـي مواصلـة الحوثييـن الحـرب لفتـرة زمنيـة طويلـة ، وفـي السـياق ذاته، يكتسـب توقيت إعـلان حزب الله عـن وصـول شـحنة وقـود إيرانيـة إلـى لبنـان، فـي 19 أغسـطس الجـاري، دلالـة هامـة بالنسـبة للحـزب، لاسـيما مـع تصاعـد الاسـتياء داخـل لبنـان مـن الأدوار التـي يقـوم بهـا، والاتهامـات الموجهـة إليـه بالتسـبب فـي الأزمـات التـي يواجههـا لبنـان، بالاشـتراك مـع النخـب السياسـية الموجـودة ، فضـلاً عـن محاولـة اتجاهـات عديـدة الربـط بيـن الحـزب وحـادث انفجـار مرفـأ بيـروت فـي 4 أغسـطس 2020، بالإضافـة إلـى السياسـة الخارجيـة للحـزب والتـي جعلـت أطرافاً وقـوى عديدة تنظر إليـه كأداة لخدمـة المصالـح الإيرانيـة، دون أن يأخـذ فـي الحسـبان مصالـح الدولـة اللبنانية.

3- تعزيـز المكاسـب الاقتصاديـة:

ففـي مقابـل إمـدادات الوقـود، تتحصـل إيـران علـى بعض المكاسـب الاقتصاديـة ، فعلـى سـبيل المثـال، تصـل المبالـغ المتأخرة المسـتحقة علـى العـراق نظير اسـتيراد الغاز الإيـران إلـى أكثـر مـن 6 مليـار دولار حسـب بعـض التقديـرات ، كمـا أن تزويـد النظـام السـوري بالوقـود الإيرانـي ارتبـط بعـدد مـن المكاسـب الاقتصاديـة لإيران ، فعلى سـبيل المثال، حصلـت طهران علـى امتيـازات اقتصاديـة فـي مختلـف القطاعـات داخـل سـوريا نظيـر مسـاعدتها للنظـام، وربمـا أهـم هـذه الامتيـازات الاتفاقيـة التـي تمنـح طهـران امتيـاز اسـتخراج الفوسـفات مـن منجـم الشـرقية ، وكذلك الاتفاقيـة التـي تمنـح إيـران حـق استكشـاف النفـط فـي البلـوك رقـم 12 فـي ديـر الـزور ، علاوة علـى ذلـك، فـإن طهـران تراهـن علـى حصولهـا علـى عقـود كبيـرة فـي إعـادة الإعمـار بسـوريا وخصوصاً مـع الرسـائل التـي بعـث بهـا النظـام السـوري بـأن الـدول التـي دعمتـه سـيكون لهـا أولويـة فـي ملـف إعـادة الإعمـار .

4- رسـائل للـدول الغربيـة:

يتعلـق أحـد أهـداف سياسـة الوقـود الإيرانيـة بمحاولـة توجيه رسـائل للدولالغربية مفادها ان ايران قادرة علي التحرك إقليمياً بالرغم من الضغوط الغربية المفروضة عليها كمـا لا ينفصـل هـذا الأمـر عـن تطـورات الملـف النـووي الإيرانـي ومفاوضـات فيينـا مـع القـوى الدوليـة وعليـه، يبـدو أن إعـلان حـزب الله عـن اسـتيراد الوقـود مـن إيـران محاولـة لإقنـاع القـوى الغربيـة بعـدم جـدوى الصـدام مـع طهـران، وكذلـك لدفـع الولايـات المتحـدة الأمريكيـة إلـى تخفيـف العقوبـات المفروضـة عليهـا باعتبـار أن هـذه السياسـات الغربيـة الضاغطة على طهـران لم تمنعها من مواصلـة دعـم حلفاءهـا عبـر أدوات عديـدة بمـا فيهـا إمـدادات الوقـود .

5- اسـتيعاب ضغـوط الداخـل:

تمـارس قـوى داخليـة فـي إيـران ضغوطـاً قوية مـن أجـل مواصلة تقديم الدعـم للحلفـاء الإقليمييـن، رغـم الأزمـة الاقتصاديـة التـي تواجههـا إيـران بسـبب العقوبـات الأمريكية ، ويقـود الحـرس الثـوري هـذا الاتجـاه، حيـث يـرى أن تقديـم هـذا الدعـم يمثـل آليـة مهمـة للحفـاظ علـى مكتسـبات الـدور الإقليمـي الإيرانـي فـي المنطقـة. والافـت فـي هـذا السـياق، أن هـذا التوجـه ربمـا يتزايـد فـي المرحلـة القادمـة، علـى ضوء السياسـة الجديـدة التي تتبناها حكومـة إبراهيم رئيسـي، والتي تعتمـد علـى المـزج بيـن "الدبلوماسـية والميـدان" فـي إشـارة إلـى أن التداخل بيـن الأدوار التـي يقوم بها الحـرس الثـوري ووزارة الخارجيـة سـوف يسـتمر وربمـا يتصاعـد خـال المرحلـة القادمة .

ختامـاً، بقـدر مـا تحقـق إمـدادات الوقـود لإيـران، ووكلائها ، عـدداً مـن المكاسـب، فإنهـا فـي الوقـت نفسـه قـد تفضـي إلـى بعـض الإشـكاليات، لأنها تـؤدي إلى تعـرض وكلاء طهـران إلى ضغـوط داخلية فـي دولهـم، ولعـل هـذا مـا كشـف عنـه إعـلان حـزب الله عـن اسـتقدام شـحنة وقـود مـن إيـران، حيـث انتقـد عـدد مـن السياسـيين اللبنانييـن سياسـة الحـزب ووصفوهـا بأنهـا " تعبيـر عن غيـاب سـلطة الدولة وتعزيـز للسـطوة الإيرانيـة فـي لبنـان "، واتهـم رئيـس تيـار المسـتقبل سـعد الحريـري إيـران بتعطيـل تأليـف الحكومـة، وتسـاءل، فـي تغريـدة علـى موقـع "تويتـر" في 19 أغسـطس الجـاري، قائـلاً : " كيف تجيـز الدولـة الإيرانيـة لنفسـها مخالفـة القوانيـن الدوليـة فتقبـل إرسـال السـفن إلـى لبنـان دون موافقـة الحكومـة اللبنانية ؟ " .