اهم الاخبار
الجمعة 17 يوليو 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

بأقلامهم

مجدى طنطاوى يكتب : الحب حين يصبح وعيا لا امتلاكا

الوكالة نيوز

الحب من اكثر الكلمات تداولا واقلها فهما فكثيرون يخلطون بين الحب والرغبة وبين الحب والاعتياد وبين الحب والتملك حتى اصبح كل تعلق يسمى حبا وكل غيرة تسمى وفاء وكل سيطرة تسمى اهتماما
الحب في جوهره ليس شعورا عابرا يولد من نظرة ولا انفعالا مؤقتا تصنعه الظروف بل هو حالة من الوعي يرى فيها الانسان قيمة الاخر ويحترم وجوده وحريته وكرامته فلا يسعى الى امتلاكه بل الى اسعاده ولا يفكر فيما يأخذه منه بل فيما يقدمه له
حين يكون الحب صادقا يصبح قوة تبني الانسان ولا تهدمه فيدفعه الى الصدق والعمل والرحمة والعطاء ويجعله اكثر اتزانا واقل انانية لان المحب الحقيقي لا يرى نفسه مركز الكون بل يرى ان للحياة معنى يكتمل بمشاركة الاخرين
اما الحب الذي يقوم على المصلحة فهو صفقة مؤقتة تنتهي بانتهاء المنفعة والحب الذي يقوم على الاعجاب بالشكل وحده يذبل مع تغير الملامح والحب الذي يقوم على الحاجة يتحول الى عبء اذا زالت اسباب الحاجة اما الحب الذي يقوم على المعرفة والاحترام والثقة فهو الاقدر على البقاء لانه يتعلق بالانسان لا بما يملكه
والحب لا يقتصر على العلاقة بين الرجل والمرأة فهناك حب الوالدين والابناء وحب الصديق وحب الوطن وحب الحقيقة وحب الخير بل ان اعظم صور الحب هي التي تتجاوز الذات لتخدم الانسان حيثما كان دون انتظار مقابل
ومن اخطر الاوهام ان الحب يعني الغاء العقل فالحب الناضج لا يعادي العقل بل يستنير به فالعاطفة التي لا يقودها الوعي قد تتحول الى تعلق مؤذ او تضحية عمياء او خيبة قاسية اما الحب الذي يجتمع فيه القلب والعقل فهو اكثر قدرة على الاستمرار ومواجهة تقلبات الحياة
وليس الحب ان تجد انسانا كاملا فهذا مستحيل بل ان تدرك ان الكمال ليس شرطا للمودة وان الاختلاف لا يمنع التقارب وان الخطأ لا يلغي قيمة الانسان ما دام مستعدا للاعتراف به وتصحيحه
ولهذا يبقى الحب امتحانا للاخلاق قبل ان يكون تجربة للمشاعر فمن لا يعرف الصدق لا يعرف الحب ومن لا يحترم الحرية لا يعرف الحب ومن لا يملك الرحمة لا يستطيع ان يمنح الحب مهما اكثر من الكلام عنه
في النهاية ليس الحب كلمة تقال ولا وعدا يكتب ولا مناسبة يحتفل بها بل هو اسلوب حياة يظهر في كل موقف وفي كل اختيار وفي كل تضحية صادقة انه اللغة التي يفهمها القلب السليم والعقل الحكيم وهو الجسر الذي يعبر عليه الانسان من حدود الانا الى رحابة الانسانية