احمد شعبان محمد يكتب : لماذا يكرر القرآن الحديث عن الموازين والقسط؟
في إطار رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، يبرز سؤال جوهري قد لا ينتبه إليه كثير من الناس عند قراءة القرآن الكريم: لماذا يكرر القرآن الحديث عن الميزان والقسط والعدل في عشرات الآيات؟ ولماذا جعل الله إقامة القسط غاية من غايات الرسالات السماوية؟
إن المتأمل في القرآن يجد أن قضية التوحيد نفسها تقترن دائمًا بقضية العدل، وأن الإيمان بالله لا ينفصل عن إقامة الموازين بين الناس. وكأن القرآن يريد أن يقول للبشر إن صلاح الحياة لا يتحقق بمجرد الاعتقاد، وإنما بتحويل ذلك الاعتقاد إلى منظومة من القيم تحكم العلاقات الإنسانية.
يقول الله تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.
هذه الآية تكشف حقيقة بالغة الأهمية؛ فغاية الرسالات ليست مجرد المعرفة النظرية، بل أن يقوم الناس بالقسط، أي أن تستقيم حياتهم على العدل والتوازن والإنصاف.
فالميزان في القرآن ليس أداة توزن بها السلع فقط، بل مبدأ يحكم الوجود كله.
فالكون قائم على ميزان.
والليل والنهار يجريان بميزان.
والأرض والسماء قائمتان على ميزان.
والجسد الإنساني يعمل وفق موازين دقيقة.
فإذا اختل الميزان في الكون فسد النظام، وإذا اختل الميزان في حياة الناس فسد العمران.
ولهذا يقول سبحانه:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾.
وكأن الله يربط بين نظام الكون ونظام المجتمع، فكما أن الكون لا يستقيم إلا بالتوازن، فإن حياة البشر لا تستقيم إلا بالعدل.
والطغيان في حقيقته هو اختلال الميزان.
فالظلم اختلال للميزان.
والاحتكار اختلال للميزان.
والمحسوبية اختلال للميزان.
والتمييز بين الناس بغير حق اختلال للميزان.
والفساد المالي والإداري اختلال للميزان.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تنهار مجتمعات كثيرة عندما فقدت موازين العدل، رغم ما امتلكته من ثروات وقوة.
إن القسط الذي يتحدث عنه القرآن ليس مجرد حكم قضائي بين خصمين، بل هو منهج حياة.
قسط في الحكم.
وقسط في الاقتصاد.
وقسط في توزيع الفرص.
وقسط في الحقوق والواجبات.
وقسط في التعامل مع الموافق والمخالف.
وقسط حتى مع من نختلف معهم.
يقول سبحانه:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فالعدل هنا ليس خيارًا مرتبطًا بالمصلحة، بل قيمة ثابتة لا تتغير بتغير الأشخاص والمواقف.
ومن أخطر ما يصيب الأمم أن تختل موازينها الفكرية والأخلاقية.
حين يصبح الكذب ذكاءً.
والنفاق حكمة.
والفساد شطارة.
والمحسوبية حقًا مكتسبًا.
عندها لا يختل الاقتصاد فقط، بل يختل الضمير الجمعي للمجتمع كله.
وحينها تبدأ رحلة التراجع مهما توفرت الإمكانات.
ولهذا يكرر القرآن الحديث عن الميزان؛ لأنه يدرك أن مشكلة الإنسان الكبرى ليست في نقص الموارد، بل في سوء توزيعها.
وليست في قلة القدرات، بل في غياب العدل بين أصحابها.
وليست في ضعف القوانين، بل في اختلال الموازين التي تطبق بها تلك القوانين.
ولو تأملنا أسباب تقدم الأمم لوجدنا أن كثيرًا منها نجح في بناء موازين واضحة تحفظ الحقوق وتكافئ المجتهد وتعاقب المقصر وتمنح الفرص على أساس الكفاءة لا على أساس القرابة أو النفوذ.
فاستقرت أحوالها وازدهرت مجتمعاتها.
أما حين يغيب الميزان، فإن الثقة تضيع بين الناس، ويحل الإحباط محل الأمل، ويتراجع الإنتاج، وتضعف روح الانتماء.
ومن هنا فإن إقامة القسط ليست مهمة الحكومات وحدها، بل مسؤولية كل فرد.
فالوالد مطالب بالعدل بين أبنائه.
والمعلم مطالب بالعدل بين طلابه.
وصاحب العمل مطالب بالعدل بين العاملين لديه.
والقاضي مطالب بالعدل بين المتخاصمين.
والمجتمع كله مطالب بحماية هذا الميزان من العبث والانحراف.
ومن هنا جاءت رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لتؤكد أن بناء السلام والاستقرار لا يمكن أن يتحقق بعيدًا عن العدل، وأن القسط الذي دعا إليه القرآن ليس شعارًا أخلاقيًا، بل ضرورة حضارية لبقاء المجتمعات واستمرار العمران.
فالقرآن يكرر الحديث عن الموازين والقسط لأنه يعلم أن اختلال الميزان هو بداية كل فساد، وأن إقامة الميزان هي بداية كل إصلاح.
وحين يفهم الإنسان هذه الحقيقة، يدرك أن العدل ليس قيمة من بين القيم، بل هو القاعدة التي تقوم عليها جميع القيم الأخرى، وأن الحضارات لا تُقاس بما تملك من قوة وثروة فقط، وإنما بما تملكه من موازين عادلة تحفظ للناس حقوقهم وكرامتهم وأمنهم.
ولهذا كان الميزان في القرآن أساس الكون، وأساس المجتمع، وأساس النجاة، وأساس العمران.