احمد شعبان محمد يكتب : القرآن ومشكلة الطغيان في التاريخ البشري
في إطار رسالة مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، تبرز قضية الطغيان باعتبارها واحدة من أخطر المشكلات التي واجهت الإنسان منذ بداية التاريخ، وما زالت تشكل تهديدًا دائمًا للأفراد والمجتمعات والدول.
ولعل اللافت للنظر أن القرآن الكريم لم يكتف بسرد قصص الطغاة، بل كشف جذور الطغيان النفسية والفكرية والاجتماعية، وكأنه يقدم للبشرية خريطة تحذيرية تبين كيف ينشأ الطغيان، وكيف يتمدد، وكيف ينتهي.
فالقرآن لا يقدم فرعون بوصفه شخصية تاريخية انتهى زمانها، وإنما يقدمه نموذجًا متكررًا يمكن أن يظهر في كل عصر وفي كل مجتمع.
يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾.
وهنا يكشف القرآن أول ملامح الطغيان؛ فالمستبد لا يحكم الناس وهم موحدون، بل يعمل على تقسيمهم وإضعافهم وإشغال بعضهم ببعض حتى يسهل التحكم فيهم.
فالفرقة كانت دائمًا حليف الطغيان، بينما كانت الوحدة والوعي أكبر أعدائه.
ثم يكشف القرآن سببًا آخر للطغيان حين يقول:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.
فالطغيان يبدأ غالبًا عندما يتوهم الإنسان أنه أصبح مستغنيًا عن غيره، أو مستغنيًا عن القيم والضوابط التي تضبط سلوكه.
فقد يكون الاستغناء بالمال.
وقد يكون بالسلطة.
وقد يكون بالعلم.
وقد يكون بالقوة العسكرية.
لكن النتيجة واحدة، وهي تضخم الأنا حتى يظن صاحبها أنه فوق المساءلة وفوق القانون.
ولذلك لم يكن فرعون أول الطغاة ولا آخرهم.
فالقرآن يحدثنا عن نماذج متعددة للطغيان.
فهذا قارون طغى بالمال حتى ظن أن ثروته نتيجة عبقريته وحدها.
وهذا أصحاب النفوذ الذين وقفوا في وجه الأنبياء حفاظًا على مصالحهم.
وهذه أمم بأكملها طغت بقوتها وعمرانها فظنت أنها عصية على السقوط.
لكن القرآن يقرر حقيقة ثابتة:
أن الطغيان مهما بلغ من القوة فإنه يحمل أسباب هلاكه في داخله.
فالطاغية يبدأ عادة بإقصاء الناصحين.
ثم يحتكر الحقيقة.
ثم يحيط نفسه بالمصفقين.
ثم يفقد القدرة على رؤية الواقع كما هو.
وهنا تبدأ رحلة السقوط.
ولهذا نجد أن القرآن لا يركز على لحظة القوة عند الطغاة، بقدر ما يركز على نهاياتهم.
لأن الرسالة الأساسية ليست وصف بطشهم، وإنما التأكيد على أن الظلم لا يمكن أن يكون أساسًا دائمًا للحضارة.
ويقول سبحانه:
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾.
فالظلم في المنظور القرآني ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل عامل هدم للحضارات والدول والمجتمعات.
ومن يتأمل التاريخ البشري يجد أن كثيرًا من الإمبراطوريات لم تسقط بسبب ضعف الموارد أو قلة الإمكانات، بل بسبب الظلم الذي نخر بنيانها من الداخل.
والأخطر من طغيان الحكام هو طغيان الأفكار.
فالإنسان قد يتحرر من مستبد سياسي، لكنه يظل أسيرًا لفكرة طاغية أو معتقد متعصب أو ثقافة تمنع التفكير الحر.
ولهذا كانت رسالة الأنبياء في جوهرها تحرير الإنسان من كل أشكال الاستعباد؛ استعباد القوة، واستعباد المال، واستعباد الخوف، واستعباد الأوهام.
ومن هنا نفهم لماذا جعل القرآن العدل قيمة مركزية في الحياة الإنسانية.
فالعدل ليس فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو السد الذي يمنع الطغيان من التمدد.
وحين يغيب العدل تبدأ رحلة الانحدار، حتى لو بدت مظاهر القوة قائمة لبعض الوقت.
إن الطغيان ليس مشكلة تخص الماضي وحده، بل هو خطر يتجدد كلما غاب الوعي وضعفت القيم وتراجع احترام الإنسان.
فقد يظهر في سلطة.
وقد يظهر في مؤسسة.
وقد يظهر في جماعة.
وقد يظهر في فرد يملك من القوة ما يمكنه من ظلم غيره.
ولهذا يوجه القرآن أنظار الناس دائمًا إلى مراقبة أنفسهم قبل مراقبة غيرهم، لأن بذور الطغيان قد تبدأ صغيرة في النفس قبل أن تتحول إلى واقع يهدد المجتمع كله.
ومن هنا تأتي أهمية الجهود الفكرية والإنسانية التي تبذلها مؤسسة رسالة السلام العالمية بقيادة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في نشر قيم العدل والسلام واحترام الإنسان، وترسيخ ثقافة الحوار والتعايش، باعتبارها الحصن الحقيقي في مواجهة كل أشكال الطغيان.
فالقرآن يعلمنا أن معركة الإنسان الكبرى ليست مع طاغية بعينه، بل مع ظاهرة الطغيان ذاتها، وأن بناء مجتمع العدل هو الطريق الوحيد لكسر هذه الدائرة التي تكررت في التاريخ البشري عبر القرون.
ولهذا يبقى القرآن كتاب هداية للإنسان في كل زمان، يذكره بأن القوة بلا عدل طغيان، وأن المال بلا رحمة طغيان، وأن السلطة بلا مسؤولية طغيان، وأن الحضارة الحقيقية لا تقوم إلا على ميزان العدل الذي يحفظ للإنسان كرامته وحقوقه وأمنه.