تحقيقات وحوارات
خالد العوامي يكتب : في رحاب الحج .. تسقط أوهام الدنيا ويبقى الله وحده
علي الشرفاء : الفريضة كما أرادها الله تطهير للقلب لا استعراض للطقوس .. عودوا الي القران
في هذا المشهد الذي تتجرد فيه الأرواح من ضجيج الدنيا، وتقف الملايين بقلوب مرتعشة فوق صعيد عرفات، لا يبدو الحج مجرد شعيرة عابرة أو طقس ديني متكرر، وإنما يبدو إعلانًا إلهيًا هائلًا عن ميلاد الإنسان من جديد… الإنسان الذي يعود إلى الله بلا أقنعة، بلا طبقات، بلا أوهام صنعتها صراعات الحياة وضوضاء العالم.

هناك .. في عرفات .. تتساقط الفوارق كلها .. لا سلطان يبقى لعرق، ولا لمال، ولا لمنصب، ولا لراية .. ثياب بيضاء متشابهة، ووجوه أنهكها الشوق، وقلوب جاءت تبحث عن الحقيقة الكبرى .. لماذا خُلق الإنسان ؟ .. وما معنى أن يعود إلى الله؟
وهنا تتجلى عظمة المشروع الفكري للمفكر العربي علي الشرفاء الحمادي، ذلك المشروع الذي أعاد توجيه البوصلة نحو القرآن الكريم باعتباره المصدر الإلهي الخالص للهداية، بعيدًا عن ضباب الروايات البشرية وصراعات التأويل التي فرّقت الأمة وأثقلت الدين بما ليس فيه .
الحج في ضوء هذا المشروع ليس مجرد انتقال جسدي إلى مكة، وإنما رحلة تحرير للعقل والروح معًا .. رحلة العودة إلى خطاب الله المباشر للإنسان .. فالقرآن حين تحدث عن الحج لم يقدمه باعتباره طقوسًا جامدة، وإنما باعتباره مدرسة أخلاقية وروحية تعيد بناء الإنسان من الداخل .

يقول الله سبحانه وتعالى: " الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ " .. صدق الله العظيم .. تأملوا هذا البناء القرآني المذهل .. الله لا يركز على الحركات الظاهرة بقدر ما يركز على تهذيب النفس .. فالحج الحقيقي ليس في عدد الخطوات حول الكعبة، إنما في عدد الخطايا التي تسقط من القلب أثناء الرحلة.
ومن هنا كان عرفات هو الذروة… اللحظة التي يقف فيها الإنسان عاريًا أمام ذاته قبل أن يقف أمام ربه.
إنه يوم انهيار الغرور الإنساني بالكامل.
وفي عرفات تحديدًا يدرك الإنسان معنى الآية العظيمة : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ " .
هنا فقط يسقط وهم التفوق الزائف .. الغني يقف بجوار الفقير، والحاكم بجوار العامل، والعربي بجوار الأعجمي، والجميع يرفعون الدعاء ذاته بقلوب مرتجفة : يارب .. ارحمنا .
ولعل أخطر ما يلفت الانتباه في المشروع الفكري لعلي الشرفاء الحمادي، أنه أعاد اكتشاف جوهر الدين باعتباره رسالة رحمة وسلام وعدل، لا رسالة خوف وكراهية وصراع.
ومن عرفات تتجلى هذه الحقيقة بصورة مهيبة.
فلو كان الدين دعوة للعنف أو الهيمنة أو التعصب، لما جمع الله البشر في هذا المشهد الكوني العظيم ليقفوا متساوين تحت سماء واحدة.
الحج إذن ليس احتفالًا بالانتماء الطائفي، وإنما احتفال بوحدة الإنسانية كلها تحت راية التوحيد .. يقول الله تعالى : " وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ " .. إنها دعوة مفتوحة للبشرية .. دعوة لعبور المسافات نحو النور .
وفي خضم هذا الزحام الروحي المهيب، يطرح المشروع القرآني سؤالًا صادمًا : كيف تحوّل الدين الذي أراده الله رحمة للعالمين إلى ساحة صراع وتمزق وكراهية ؟ .. كيف ابتعد المسلمون عن القرآن الذي جمعهم، واتجهوا إلى مرويات صنعت انقسامات لا تنتهي ؟
من هنا تأتي أهمية العودة إلى القرآن الكريم، لا كشعار عاطفي، وإنما كمشروع نهضة وإنقاذ .. فالقرآن هو النص الوحيد المحفوظ بنص وعد إلهي : " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " .. صدق الله العظيم .
وفي الحج تتجسد هذه العودة بأبهى صورها .. فكل المناسك تعيد الإنسان إلى معاني التوحيد الخالص، والتجرد الكامل لله.
حين يخلع الحاج ثيابه الفاخرة ويرتدي الإحرام، فهو يخلع رمزيًا أوهام الدنيا كلها .. وحين يطوف حول الكعبة، فهو يعلن أن مركز الحياة ليس المال ولا السلطة ولا البشر .. إنما الله وحده .
وحين يقف في عرفات، يشعر وكأنه يقف في مشهد مصغر ليوم القيامة .. لا شيء ينفع إلا القلب السليم .. وهنا تبلغ الرسالة ذروتها
أن الإنسان مهما ابتعد، ومهما أثقلته الذنوب، فإن باب الله لا يُغلق أبدًا .. يقول سبحانه: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ " .. صدق الله العظيم .
ولذلك يبكي الملايين في عرفات .. ليس خوفًا فقط، وإنما لأنهم يشعرون للمرة الأولى أن الله قريب منهم إلى هذا الحد.
إنها لحظة انكشاف روحي هائلة .. لحظة يدرك فيها الإنسان أن الدين لم يكن يومًا قيودًا تخنق الحياة، وإنما نورًا يحرر الإنسان من ظلمات الجهل والكراهية والطغيان .
ومن هنا يمكن فهم جوهر المشروع الفكري لعلي الشرفاء الحمادي .. العودة إلى القرآن باعتباره كتاب بناء الإنسان، لا كتاب صراع المذاهب .. فالقرآن يدعو إلى التفكير، إلى العدل، إلى الرحمة، إلى الحرية المسؤولة، إلى كرامة الإنسان.
يقول الله تعالى : " أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ " .. صدق الله العظيم .. وكأن أعظم ما يحتاجه المسلمون اليوم ليس المزيد من الصخب الديني، وإنما المزيد من التدبر .
وفي نهاية الرحلة .. يغادر الحجاج عرفات وقد تغير شيء عميق في الداخل .. ربما لن يراه الناس في الوجوه فورًا، لكنه يولد في الروح .. هناك إنسان قديم مات فوق صعيد عرفات .. وإنسان جديد وُلد من رحم الدعاء والدموع والتوبة .
وهكذا يبقى الحج أعظم مؤتمر روحي عرفته البشرية .. ويبقى عرفات أعظم درس في المساواة والتجرد والعودة إلى الله .. ويبقى القرآن .. ذلك النور الخالد .. الطريق الوحيد القادر على إنقاذ الإنسان حين تتكاثر حوله ظلمات الأرض .
اللهم اني قد بلغت .. اللهم فاشهد .