بأقلامهم
هشام النجار يكتب : الإمارات والذكاء الاصطناعي.. رؤية استباقية تعيد صياغة الاقتصاد وتصنع نموذج الدولة المستقبلية
تحول مشروع الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ركيزة بنيوية في صياغة النموذج التنموي للدولة، وإلى أحد أبرز معالم رؤيتها الإستراتيجية لإعادة تعريف مفهوم الدولة الحديثة في القرن الحادي والعشرين.
أدركت القيادة الإماراتية منذ وقت مبكر، أن التقدم الحقيقي في عالم شديد التنافس يتحقق بامتلاك المعرفة المتقدمة، واستباق التحولات الكبرى، وتحويل التكنولوجيا إلى قوة سيادية ناعمة تعزز الاستقلال الاقتصادي وترسخ الحضور العالمي، بجانب تراكم الموارد.
أسهم هذا الإدراك الاستراتيجي المبكر في ترسيخ الصورة الذهنية لدولة الإمارات كونها قائدًا إقليميًا وعالميًا في مجال الذكاء الاصطناعي، من زاوية الاستخدام التقني، وكذلك من منظور شامل يدمج التشريع والحوكمة والتعليم والاستثمار والبحث العلمي في منظومة واحدة متماسكة.
لقد انعكس ذلك بوضوح في معدلات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي على مستوى الأفراد والمؤسسات، حيث تُصنف الإمارات ضمن أعلى دول العالم في سرعة الانتشار وعمق الاستخدام، سواء في الخدمات الحكومية أو القطاعات الاقتصادية أو أنماط الحياة اليومية، وهو ما يعكس وعيًا مجتمعيًا متقدمًا، وثقة عالية في التحول الرقمي، وبيئة تشريعية وتنظيمية قادرة على مواكبة الابتكار دون إعاقة.
في صميم هذا التحول، يبرز الذكاء الاصطناعي كمحرك رئيسي لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، إذ باتت الإستراتيجيات الاقتصادية الإماراتية تنظر إلى التكنولوجيا كعنصر تأسيسي في بناء اقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار.
يشكل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد الأعمدة المركزية لتحقيق النمو الاقتصادي المُستدام، من خلال رفع الإنتاجية، وتحسين كفاءة سلاسل القيمة، وتطوير قطاعات جديدة عالية القيمة، تمتد من الصناعات المتقدمة والخدمات الذكية إلى الاقتصاد الرقمي والفضاء والطاقة المتجددة.
أسهم هذا التحول النوعي في تعزيز قدرة الاقتصاد الإماراتي على الصمود أمام التقلبات العالمية، وفي الانتقال من نموذج يعتمد على الموارد إلى نموذج يقوده العقل والبيانات والخوارزميات.
أما على مستوى العمل الحكومي، فقد نجحت الإمارات في تقديم نموذج عالمي متقدم لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء المؤسسي ورفع جودة الخدمات العامة؛ حيث أُعيد تصميم العديد من العمليات الحكومية اعتمادًا على التحليل التنبؤي، ودعم اتخاذ القرار، وإدارة البيانات الضخمة، بما أسهم في تسريع الإجراءات، وتحسين تجربة المتعامل، وتعزيز الشفافية والكفاءة.
جاء التحول تقنيًا ضمن رؤية أشمل لإعادة تعريف مفهوم الحكومة بوصفها منصة ذكية استباقية قادرة على التفاعل مع احتياجات المجتمع قبل ظهورها، وهو ما جعل التجربة الحكومية الإماراتية محل اهتمام ودراسة في العديد من المحافل الدولية.
وإدراكًا منها بأن الابتكار لا يزدهر دون بنية تحتية متقدمة، استثمرت الدولة بشكل واسع في تطوير منظومات الحوسبة الفائقة، ومراكز البيانات المتقدمة، وشبكات الاتصال عالية الكفاءة، لتوفير بيئة رقمية قادرة على دعم البحث العلمي والتطبيقات المعقدة للذكاء الاصطناعي.
شكلت هذه الاستثمارات الأساس الصلب الذي يقوم عليه اقتصاد الابتكار، وأسهمت في تمكين الشركات الناشئة، واستقطاب كبرى الشركات العالمية، وتحفيز الشراكات البحثية مع المؤسسات الأكاديمية والمراكز العلمية الدولية.
برزت الإمارات في هذا السياق، كمركز عالمي جاذب للمواهب والكفاءات في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث والتطوير، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة، ونمط حياة تنافسي، وسياسات هجرة ذكية تستقطب العقول والخبرات من مختلف أنحاء العالم.
لقد أدى هذا التراكم المعرفي والبشري إلى خلق منظومة ابتكار ديناميكية، تتكامل فيها الجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات، والمؤسسات الحكومية، في نموذج يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الاقتصاد المعرفي الحديث.
ومع هذا التقدم المتسارع، حافظت الإمارات على توجه ومسارأخلاقي واضح في التعامل مع الذكاء الاصطناعي، حيث أولت اهتمامًا خاصًا بمفهوم الذكاء الاصطناعي المسؤول الذي يضع الإنسان في قلب التحول الرقمي.
قد عملت الدولة على تطوير أطر حوكمة توازن بين الابتكار وحماية القيم الإنسانية، وتراعي الخصوصية، والعدالة، والشفافية، وعدم التحيز، بما يعكس رؤية حضارية ترى في التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان وتعزيز كرامته، لا أداة للهيمنة أو الإقصاء.
وقد توّجت هذه الجهود المتكاملة بتقدم ملموس في مختلف التصنيفات والمؤشرات العالمية المعنية بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والجاهزية التكنولوجية، حيث تحتل الإمارات مراكز متقدمة تؤكد نجاح نموذجها التنموي، وقدرتها على تحويل الرؤية إلى واقع، والإستراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس.
تعكس هذه المؤشرات تفوقًا تقنيًا، علاوة على أنها تشهد على رقي وتطور التجربة الإماراتية في إدارة التحول، وعلى قدرتها على المواءمة بين الطموح والحوكمة، وبين الابتكار والاستدامة.
على ضوء ذلك، تقدم دولة الإمارات نموذجًا عالميًا متكاملًا في توظيف الذكاء الاصطناعي بالنظر إليه كأداة للنهضة الشاملة، وجسرًا نحو المستقبل، ومكونًا أساسيًا في بناء دولة عصرية قادرة على المنافسة والتأثير في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، نموذج يقوم على إنتاج المعرفة، وصياغة السياسات، وبناء الإنسان، في معادلة تؤكد أن الريادة في عصر الذكاء الاصطناعي تبدأ من وضوح الرؤية، وتنتهي بصناعة المستقبل.