اهم الاخبار
الإثنين 03 أكتوبر 2022
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

الفن

فيلم "قصة حب" ... تجربة جيدة نوعيتها تشفع لها فقرها الفني

22
22

كتبت : داليا محمد

بدأ عرض الفيلم العربي "قصة حب" يوم 13 فبراير الماضي وبعد عرضه لما يقرب من 6 اسابيع حقق ايرادات وصلت إلى 7,215,711 ملايين جنيه مصري، و لولا أنه يُعرض بموسم سينمائي "ميّت" بمفاهيم السوق المصري أي بعد انتهاء إجازة نصف العام وخارج المواسم السينمائية التقليدية  كالأعياد أو الصيف أو إجازة الطلبة في يناير، لكان من الممكن أن يحق ايرادات اعلى بكثير، و لكن بالنسبة لان الفيلم يخلو من الاسماء الجاذبة جماهيرياً، اي نجوم الصف الأول و نجوم الشباك، فقد يصبح  ما حققه حتى الآن في شباك الايرادات يُعد شيء جيد و مميز و مفاجأة غير متوقعة بكل المقاييس.

ملحوظة / يوجد حرق لأحداث الفيلم في الفقرات التالية :

https://youtu.be/MSHG2j3Y4Vw?t=1

تدور قصة الفيلم حول مهندس يُدعى يوسف/ أحمد حاتم، تبحث شقيقته مع صديقه/ ياسر الطوبجى و زوجة صديقه / علا رشدى عن فتاة مناسبة للزواج منها، وبعدما ينتهى من مقابلة إحداهن و يتم الاتفاق على الزواج، يتعرّض لحادث سير مأسوي يُفقده بصره بشكل مؤقت، فتتخلى عنه تلك العروس بالطبع، و من ثم يصاب يوسف بحالة اكتئاب شديدة بعدما خسر كل شيء، و لكنه يحاول التأقلم على حياته الجديدة، فيتعرف بالصدفة على فتاة تُدعى جميلة/ هنا الزاهد، و هي من تخرجه من حالة الاكتئاب هذه حيث تبدأ في مساعدته لعمل كل شيء و تلازمه باستمرار و تبذل قصارى جهدها لتحسين حالته النفسية، و بالفعل تنجح في ذلك وتتبدل حياة "يوسف" إلى الأفضل بعد أن احبها يوسف حباً كبيراً و احبته هي الاخرى، و لكن فجأة و بدون مقدمات تبتعد جميلة عن يوسف بشكل غير مفهوم و تفشل كل محاولاته في الوصول لها أو الاتصال بها، ما يجعله يعود إلى حالة الاكتئاب التي مر بها مرة أخرى، ظناً منه ان جميلة ابتعدت عنه لأنها لن تستطيع تحمله وهو كفيف لأكثر من ذلك، ما سبب له جرحاً كبيراً و لكنه في النهاية يعذرها و يقدر صعوبة استمرارها في تحمل عبء كبير كهذا مع صغر سنها.

يسافر يوسف للاجراء عملية جراحية في الخارج لاستعادة بصره، و تأتي العملية بنتائج مذهلة و يسترد بصره من جديد، و يعود إلى مصر على أمل أن يفاجيء حبيبته جميلة بهذا الخبر السعيد ظناً منه أن العقبة الوحيدة التي كانت تقف في طريقهما زالت باستعادة بصره، إلا أنه يتلقى صدمة كبيرة حين يعرف السبب الحقيقي في ابتعاد جميلة عنه، و هو اصابتها بمرض السرطان و انها بدأت تتناول جرعات الكيماوي.

فيبدأ يوسف أن يساعدها هو الآخر في تجاوز محنتها، و يقف بجانبها  و يصر على الزواج بها و تبدأ جميلة تبتسم للحياة من جديد بعدما شعرت بمقدار حب يوسف لها و تمسكه بها رغم معرفته بمرضها، و يستعد يوسف و جميلة لحفل زفافهم و ترتدي جميلة فستان الزفاف، و لكن تأتي الرياح دائماً بما لا تشتهي السفن حيث تتوفي جميلة في النهاية وسط صدمة و ذهول يوسف و حزنه الكبير عليها.

قدم الفيلم طرح جيد للحياة التي لا تسير على وتيرة واحدة دائماً فقد تكون مصاب اليوم و قد يصاب من تحب غداً، فيلم "قصة حب " يؤكد أن الحب من حق الجميع، من حق أولئك الذين امتحنهم الله بفقد عضو من أعضائهم، ومن حق الذين ابتلاهم بمرض يُهلكهم كل يوم عن سابقه، العمل هو خليط من الرومانسية والكوميديا والحزن، فمشاهدة العمل تمنح المتلقى بعض الضحك، وكثير من الحزن والتأثر فى العديد من المشاهد، مع رتم متطور لا يُشعر بأي ممل، و بحكاية بسيطة خالية من أى تعقيدات، تؤدى الغرض منها تمامًا، و هو مشاهدة فيلماً رومانسياً جديداً بدلاً من الافلام التي حُفظت في ذاكرتنا عن ظهر قلب من كثرة رؤيتها كلما اشتاق الجمهور لمشاهدة عمل يمس القلوب و المشاعر.

بالنسبة لأداء بطلي العمل أحمد حاتم و هنا الزاهد فقد قاما بالمطلوب منهما بشكل جيد باستثناء بعض المشاهد التي  كان أداء البطلين مبالغ فيه بعض الشيء، فلم يكن بطلي العمل مبدعان في تقمص ادوارهم و لكنهم أيضاً لم يكونا بسيئان.

 فيما كان لياسر الطوبجي حضوراً مميزاً و اساسي قد يكون  غير مؤثر في الأحداث و لكن للحرص على وجود خط كوميدي بالفيلم  يعمل على تخفيف مأساوية أحداثه، حيث برع في تقديم دور صديق البطل  الخفيف الظل و استطاع بجدارة قيادة خط الفيلم الكوميدى و رسم البسمة على وجوه الجمهور الذى كان ينتظر ظهوره مع زوجته فى الفيلم التى قدمتها علا رشدى لكسر حالة الحزن أحياناً أو حتى الرومانسية فى أحيان أخرى، ما يذكرنا بالخط الكوميدى الذي قاده فؤاد المهندس بخفة ظله المعهودة فى فيلم "الشموع السوداء".

أما القديرة حنان سليمان فصارت بما تملكه من خبرة كبيرة وقدرات أكبر إضافة مهمة لأى عمل تشارك فيه. والأمر نفسه مع مؤمن نور و ميشو وهاجر أحمد والممثل الشاب الذى أدى دور البواب.

من العناصر الايجابية في هذا العمل هو تحكم مخرجه عثمان ابو لبن فى إيقاع العمل والإبقاء على حالة المفاجأة بشكل مشوّق طوال الوقت، فكلما بلغ تعاطف الجمهور مع قصة الحب ذروته، و زاد تمسكه إلى آخر لحظة بأمل وجود نهاية سعيدة لهذه القصة، تتصاعد مأساوية الأحداث أكثر فأكثر، فبعد الفاجعة الاولى التي حدثت ليوسف و فقدان بصره، وما أن يبدأ التأقلم على الحياة من جديد و يدق قلبه مرة أخرى لجميلة و يستعيد بصره يتلقى المشاهد فاجعة أكثر سواداً من الأولى وهي اصابة جميلة بمرض يقودها للموت، و ما أن يتأقلم يوسف و جميلة و المشاهد على الوضع الجديد و يتم تجاهل المرض و عيش الحياة بشكل طبيعي، لم يمهلهما القدر و تتوفي جميلة في نهاية صدمت المشاهدين.

من أبرز أسباب تميز الفيلم و نجاحه هو تقديمه لتيمة مميزة بعيدة عن كل ما قدمته أفلام هذا الموسم و المواسم الماضية، فقد اشتاق الجمهور للأفلام الرومانسية الخالصة، حيث ابتعدت السينما المصرية عن تقديم هذه النوعية منذ سنوات كثيرة  في ظل غلبة أفلام الألغاز والجريمة والحركة و الكوميديا التي اكتسحت المواسم السينمائية في مصر، حيث كان آخر فيلم أخلص في تقديم الرومانسية الخالصة هو فيلم "هيبتا: المحاضرة الأخيرة" لمخرجه هادي الباجوري عام 2016، والذي حقق حينها نجاحاً ضخماً و وصلت ايراداته إلى 26 مليون جنيه مصري، و تمت دبلجته للغة الايطالية و عرصه بسينمات روما و نال اكثر من جائزة،  رغم عدم وجود "نجم صف أول" بين أبطاله العديدين، حيث راهن "قصة حب" على الشيء نفسه في كل تفاصيله؛ بداية من اسمه الصريح، وشكل أبطاله من حيث القدر الكبير الذي يتمتع به احمد حاتم من وسامة و الجمال الباهر الذي تتمتع به هنا الزاهد و حتى اسلوب الدعاية المصدرة له، وصولاً لموعد عرضه في عيد الحب، كل شيء يحاول اجتذاب جمهور يريد فيلماً رومانسياً، و بذلك حقق الفيلم الغرض منه، و هو الدعوة لعودة تلك النوعية من الافلام، و انها مازالت لها جمهورها الذي يفضلها و يشتاق لها، فما الحال إذا قدمها نجوم شباك و نجوم صف اول يتمتعون بشعبية أكبر و حظ أفضل في الايرادات.

كما أن الموسيقى التصويرية للموسيقار أشرف محروس للعمل كانت ممتازة و مناسبة جداً لأحداث العمل.

و لكن رغم كل العناصر الجيدة  للعمل و التي جعلته تجربة جيدة ، إلا أن ما خذل الفيلم بشكل كبير هو انه ضعيف للغاية على المستوي الفني، و يتحرك بمعطيات "ميلودرامية" إلى أبعد حد، كما يعاني من خلل كبير في السيناريو و عدم التماسك الكافي لعرض القصة بشكل أفضل، كذلك فكرة الفيلم التي لا تقدم أي جديد و ليس بها أي ابتكار، أو اصالة، فالفيلم يبدو مقتبساً من أكثر من عمل تمت مشاهده من قبل و يأخذ أكثر التفاصيل المتطرفة في عدد من الأفلام الأجنبية الشهيرة، على رأسها فيلمي (Love Story (1970 و ( A Walk to Remember (2002، و الفيلم العربي "حبيبي دائماً" و الرائداً لهذه النوعية من الافلام في السينما المصرية  لينسج قصته، فمن المدهش فعلاً كيف أن كاتب سيناريو في عام 2019 استطاع أن يحشد هذا القدر من الأفكار والالتواءات المأساوية القديمة في فيلمه.

كذلك توجد عدة ملحوظات آخرى على الفيلم بشكل عام لا يمكن التغاضى عنها حتى وإن كان الفيلم خيالياً وليس فقط ميلودرامياً أو رومانسياً، كالحفاظ على شكل البطل المهندم الوسيم الأنيق إلى أقصى درجة الذى يحافظ على شعر رأسه وذقنه بحالة الكوافير على الرغم من أن الفيلم نفسه يعيد التأكيد مراراً على حالة الفوضى الشديدة التى يعيشها هذا البطل فى بيته لعدم قدرته على الاعتناء بنفسه بأى شكل لدرجة أن إعداد الطعام الذى أحضره له صديقه يتحول إلى كارثة، و تظهر شقته باستمرار فى حالة مأساوية حتى تظهر الحبيبة التى ستعتنى بترتيب كل شىء، فكيف كان يقوم هذا البطل بهندمة هيئته، وكيف كان يقوم باختيار ملابسه بألوانها المتناسقة؟ في ظل فشله فى إعداد طبق من البيض المقلى، أو حتى فرد العصا التى تساعده على السير فى الشارع.

أسرف المخرج كذلك فى استخدام الكاميرا الطائرة (الدرون) بداع و بدون داع، ففى حين أنها كانت معبرة بشكل جيد حين يريد المخرج التعبير عن حالة النشوة لروح الحبيبين الطائرتين حين يلتقيان، تحوّلت مع كثرة استخدامها إلى مجرد وسيلة للانتقال من مشهد إلى آخر، أو من فصل إلى آخر بشكل لا يحتمله موضوع الفيلم أو طبيعة كل المشاهد التى يتم تصويرها، مع الاعتراف بالمهارة الشديدة لقائد هذه الكاميرا، وبأن مشاهد القاهرة التى تم تصويرها فى هذا الفيلم ستتحول إلى وثائق أو نوستالجيا فى المستقبل لمن سيشاهد هذا الفيلم بعد سنوات كثيرة.

ضاعف من انحدار مستوى الفيلم عدم ابتكار الفيلم في أي من مشاهده أو حتى أماكن التصوير، واعتماده على إرث محفوظ من مظاهر رومانسية ظهرت في السينما مراراً؛ في نفس أماكن التصوير التي تشعر أنك شاهدتها عشرات المرات من قبل، حتى الحوار لم يكن عميقاً أو به جمل تحفر في الذاكرة، حيث كانت حوارات الابطال ما هي إلا جمل محفوظة و عبارات مكررة ليس بها أي جديد أو أي عبارة تلفت الانتباه.

في النهاية فيلم "قصة حب" تجربة جيدة لن تندم على مشاهدتها رغم ما تعانيه من ضعف فني، و لكن يكفي تقديم صناعه لنوعية كادت تختفي من السينما المصرية.