بأقلامهم
عاطف زايد يكتب : أين ضاعت كلمة «العيب»
كان هناك زمانٌ تكفي فيه كلمة واحدة لردع الإنسان عن الخطأ: «عيب».
لم تكن تحتاج إلى قانون، ولا إلى شرطي، ولا إلى كاميرا تراقبك. كان الإنسان يشعر أن هناك حدودًا أخلاقية لا يجوز تجاوزها، وأن احترام الكبير، والرحمة بالضعيف، وحفظ الجار، وصون المال العام، وعدم أكل حقوق الناس، كلها أمور لا تحتاج إلى نص قانوني حتى نلتزم بها.
أما اليوم، فقد ضاعت كلمة «العيب» بين ضجيج الحياة، وأصبح بعض الناس يسألون: هل هذا ممنوع قانونًا؟ بدلًا من أن يسألوا: هل هذا يرضي الله؟ وهل يرضي ضميري؟ وهل أستطيع أن أفعله أمام أولادي دون خجل؟
المشكلة ليست في غياب القوانين، وإنما في غياب الضمير.
فالإنسان الذي لا يمنعه ضميره، لن يمنعه القانون دائمًا؛ لأن القانون قد يغيب عنه، أما الضمير فيفترض أن يسكن داخله.
لقد كان «العيب» مدرسة أخلاقية كاملة، تعلم الإنسان أن الحرية ليست أن تفعل كل ما تستطيع، وإنما أن تعرف ما ينبغي ألا تفعله، حتى لو استطعت.
نحتاج اليوم إلى أن نستعيد هذه الكلمة الصغيرة في حجمها، الكبيرة في معناها:
عيب أن نأكل حق الضعيف.
عيب أن نخدع الناس.
عيب أن نكذب.
عيب أن نبيع ضمائرنا من أجل المال.
عيب أن نرى الفقر ولا نرحم الفقراء.
عيب أن نرفع شعارات الدين ثم نظلم الناس.
وعيب أن نربي أبناءنا على الكلام عن الأخلاق بينما نقدم لهم نموذجًا معاكسًا في حياتنا.
لقد لا يكون كل «عيب» جريمة يعاقب عليها القانون، لكنه قد يكون سقوطًا أخلاقيًا يهدم الإنسان والمجتمع.
والأخطر من ضياع كلمة «العيب» أن يتحول الخطأ مع الوقت إلى شيء عادي، ثم يتحول الاعتياد إلى قبول، ثم يصبح القبول ثقافة يتوارثها الأبناء.
إن أخطر ما فقدناه ليس كلمة «العيب»… وإنما الإحساس بالعيب.
فحين يموت الخجل من الخطأ، يصبح الحرام مجرد فرصة، والظلم مجرد مصلحة، والكذب مجرد وسيلة، والخيانة مجرد وجهة نظر.
لقد كان «العيب» في زمنٍ مضى حارسًا صامتًا على أبواب الأخلاق؛ لا يراه أحد، لكنه كان يمنع الإنسان من أن يفعل ما لا يليق بإنسانيته.
فإذا أردنا أن نصلح مجتمعًا، فلا يكفي أن نزيد القوانين والعقوبات؛ علينا أن نعيد بناء الإنسان من الداخل، وأن نربي أبناءنا على أن هناك أشياء لا نفعلها ليس خوفًا من القانون، وإنما احترامًا لله، وحياءً من الناس، وحفاظًا على كرامة الإنسان.
فحين يعود الضمير… تعود كلمة «العيب».
وحين تعود كلمة «العيب»… تبدأ الأخلاق في استعادة مكانها.
وحين تستعيد الأخلاق مكانها… يستعيد المجتمع إنسانيته.
فيا ليتنا نستعيد كلمةً صغيرة ضاعت منا، قبل أن نفقد معها أشياء أكبر: الضمير، والحياء، والرحمة، والإنسان.