تحقيقات وحوارات
لين إبراهيم في اجرأ حوار صحفي : آن الآوان ان نفكر بلا خوف .. ونختلف بلا كراهية
السياسة تفرقنا والثقافة قادرة على إنقاذ ما تبقى من جسور .. نريد عقول تسأل وتفكر وتختلف : امتنا امام معركة بقاء
- جناح " رسالة السلام " في إسطنبول نافذة خير إلى العالم.. ومشروع علي الشرفاء يواجه التطرف بالرحمة والعدل والقرآن
- المستقبل لن تصنعه التكنولوجيا وحدها. بل إنسان لا يفقد إنسانيته ونحتاج الي ثورة في الوعي لا في الشعارات
يبدو أن منطقتنا تعيش أوقات صعبة تتشابك فيها السياسة بالثقافة، ويشتد فيها الصراع على الوعي قبل الأرض، وفي تلك الآونة تأتي الكلمة لتفتح معركة من نوع آخر : معركة الإنسان من أجل السلام، والعقل من أجل الحقيقة، والكتاب في مواجهة التطرف والانغلاق. من إسطنبول، حيث يلتقي الشرق بالغرب وتتصافح اللغات والثقافات، تفتح الكاتبة والأديبة لين إبراهيم رئيس العلاقات الخارجية في الكونجرس الأمريكي العربي الإسلامي ملفات شائكة وأسئلة ساخنة حول الفكر العربي، ودور المثقف، ومستقبل المرأة والشباب، وقوة الأدب في صناعة الجسور بين الشعوب.

وفي هذا الحوار الصريح، تتوقف لين إبراهيم عند مشروع المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي، ومؤسسة " رسالة السلام العالمية " وحضور الثقافة العربية في المشهد الدولي، وتكشف رؤيتها لعالم عربي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يفكر بصوت مرتفع، ويحاور بلا خوف، ويصنع مستقبله بوعي لا بشعارات.
سطور الحوار التالي مع لين إبراهيم تحمل الكثير من التفاصيل المهمة والدقيقة التي تتخطي فيها كل اسيجة الحذر الدبلوماسية لتناقش وتحاور وتجاوب بوضوح وبلا خطوط حمراء .. فإليّ سطور الحوار وتفاصيلة :

- في البدايه سألتاها : ما رأيك في جناح موسسة رسالة السلام العالمية المشارك في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي في ضوء ما يضمه من كتب وإصدارات ؟
** وجود مؤسسة رسالة السلام العالمية في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي هو حضور يتجاوز فكرة المشاركة في معرض للكتب.. بالنسبة لي هو حضور مصري يحمل جزءاً من العمق الحضاري والفكري لمصر ، ويحاول أن يضع فكرة السلام والحوار في مساحة ثقافية مفتوحة أمام شعوب وثقافات مختلفة.
ما لفتني في الجناح هو تنوع الإصدارات ، وخصوصاً وجود كتب مترجمة إلى التركية ، لأن الكتاب عندما يعبر اللغة يصبح قادراً على الوصول إلى إنسان آخر وثقافة أخرى.. وهذا بالضبط ما نحتاجه اليوم ؛ أن نتعرف إلى بعضنا من خلال الفكر والمعرفة ، وليس فقط من خلال ما تنقله السياسة أو الإعلام..

وأنا أؤمن بشكل خاص بأهمية حضور المرأة في مثل هذه المشاريع لأنها ليست فقط متلقية للثقافة ، بل هي مؤثرة في صناعة الوعي ، وفي بناء الأسرة والأجيال والأفكار كما تحدثنا قبل قليل.. وعندما تكون رسالة السلام موجهة إلى الإنسان والمرأة والأسرة والمجتمع ، فهي تصبح رسالة يمكن أن تتسع وتتجاوز حدود المكان..
أعتقد أن أجمل ما يمكن أن تقدمه مؤسسة بهذا التوجه هو أن تجعل الكتاب نقطة بداية للحوار ، أن نقرأ ، ثم نسأل ، ونتناقش ، ونختلف باحترام ، ونتعرف إلى بعضنا أكثر..
وفي النهاية بالنسبة لي جناح رسالة السلام في إسطنبول ليس مجرد جناح مصري في معرض عربي ، بل نافذة مصرية على عالم متعدد الثقافات ، تحمل فكرة بسيطة لكنها عميقة : قد نختلف في اللغات واللهجات والتجارب لكن المعرفة قادرة على أن تقرب الإنسان من الإنسان ، والسلام يبدأ أحياناً من كتاب...

- وكيف تنظرين إلى المشروع الفكري الذي تقدمه مؤسسة رسالة السلام العالمية من خلال مؤلفات وأفكار علي الشرفاء الحمادي، خصوصًا ما يتعلق بالدعوة إلى ترسيخ قيم السلام والحوار ونبذ العنف والتطرف؟ وما الذي يمكن أن يضيفه هذا الطرح إلى المشهد الفكري والثقافي العربي؟
أرى أن المشروع الفكري الذي تقدمه مؤسسة رسالة السلام العالمية من خلال مؤلفات وأفكار الأستاذ علي الشرفاء الحمادي يأتي في وقت نحن بأمسّ الحاجة فيه إلى إعادة التفكير في كثير من المفاهيم التي أصبحت سبباً للانقسام بدل أن تكون وسيلة للتقارب..
وما أراه مهماً في هذا الطرح هو أنه لا يتحدث عن السلام كشعار فقط ، وإنما يربطه بالوعي وبإعمال العقل وبإعادة قراءة الخطاب الديني بعيداً عن التطرف والعنف والتوظيف السياسي والعودة إلى قيم العدل والرحمة والحرية واحترام الإنسان.

وأعتقد أن أهم ما يمكن أن يضيفه هذا المشروع إلى المشهد العربي هو فتح مساحة للنقاش فنحن بحاجة إلى أن نختلف فكرياً وأن نسأل وأن نعيد قراءة أفكارنا وموروثنا ، بدل أن نخاف من السؤال أو نعتبر الاختلاف تهديداً.
وأنا ككاتبة أؤمن أن المجتمعات لا تتغير بالقوانين وحدها ، بل بالأفكار التي تتسلل إلى وعي الإنسان وتغيّر طريقة نظرته إلى نفسه وإلى الآخر.. لذلك أرى أن قيمة أي مشروع فكري اليوم تقاس بقدرته على الوصول إلى الإنسان ، وخصوصاً الشباب وأن يمنحهم أدوات للتفكير لا مجرد إجابات جاهزة.
وربما أجمل ما يمكن أن يقدمه هذا النوع من المشاريع هو أن يجعل السلام ثقافة تبدأ من داخل الإنسان قبل أن تكون اتفاقاً بين الدول ؛ لأننا إذا استطعنا أن نبني إنساناً يؤمن بالاختلاف والحوار والرحمة ، فنحن نكون قد بدأنا فعلياً في بناء مجتمع أقل عنفاً وأكثر قدرة على بناء المستقبل.

- من خلال اهتمامك بالشأن الثقافي والفكري، كيف تقيمين تجربة علي الشرفاء الحمادي في طرح رؤى فكرية تتناول قضايا الإسلام والمجتمع والسلام، وهل ترين أن أفكاره يمكن أن تفتح مساحة جديدة للحوار والتجديد الفكري في العالم العربي؟
أرى أن تجربة الأستاذ علي الشرفاء الحمادي تستحق التوقف عندها باهتمام، ليس فقط لكثرة ما قدمه من مؤلفات ، وإنما لأن مشروعه يحاول أن يفتح نقاشاً حول علاقة الإنسان بالدين والمجتمع والسلام ، وهي قضايا ما زالت في صلب واقعنا العربي.
ما أقدّره في تجربته أنه لم يحصر مشروعه في فكرة واحدة ، بل تناول قضايا متعددة ؛ من خلال «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» و«رسالة الإسلام: رحمة وعدل وحرية وسلام» وسلسلة «ومضات على الطريق» وصولاً إلى قضايا اجتماعية مثل «الطلاق يهدد أمن المجتمع» و«الزكاة».. وهذا التنوع يدل على محاولة ربط الفكر بحياة الإنسان اليومية ، وليس إبقاء الفكر في مساحة نظرية مغلقة.
وأعتقد أن أهم ما يمكن أن تضيفه هذه الرؤية إلى المشهد العربي هو أنها تفتح باباً لإعادة التفكير في بعض المفاهيم التي اعتدنا التعامل معها كمسلمات.. قد يتفق الإنسان مع بعض الأفكار أو يختلف معها وهذا طبيعي جداً لكن القيمة الحقيقية لأي مشروع فكري هي أن يدفعنا إلى السؤال والحوار والبحث ، لا إلى الصمت.

وأنا أرى أن التجديد الفكري لا يعني أن نتخلى عن موروثنا بل أن نقرأه بعقل حاضر ، وأن نسأل كيف يمكن للقيم التي نؤمن بها أن تتحول إلى سلوك ينعكس على الإنسان والمجتمع. وفي هذا الجانب أجد أن تركيز الشرفاء الحمادي على الرحمة والعدل والسلام والحوار يمكن أن يشكل مساحة مهمة للنقاش ، خصوصاً في زمن يحتاج فيه العالم العربي إلى خطاب يواجه التطرف والكراهية دون أن يصنع تطرفاً مضاداً.
وأعتقد أن وصول هذا الفكر إلى الشباب ، وإلى الجامعات والباحثين ، وترجمته إلى لغات مختلفة ، هو ما يمكن أن يعطيه فرصة أكبر للحوار خارج الحدود العربية أيضاً ، فالفكرة لا تصبح مؤثرة فقط لأنها كُتبت وإنما عندما تصل إلى قارئ آخر وتدفعه إلى التفكير.. وبالفعل امتدت بعض إصداراته إلى لغات وبيئات ثقافية أخرى وقيمة أي مفكر لا تقاس فقط بعدد الكتب التي أصدرها ، إنما بقدرته على أن يترك سؤالاً في عقل القارئ.. وأعتقد أن مشروع علي الشرفاء الحمادي يحاول أن يفعل ذلك ويعيد الإنسان إلى قلب النقاش ، وأن يجعل السلام والرحمة والعدل والحوار أفكاراً قابلة للنقاش والممارسة ، لا مجرد شعارات.. وهنا تحديداً أرى أن أمام هذا المشروع فرصة كبيرة ؛ لأن عالمنا العربي اليوم لا يحتاج فقط إلى من يخبره ماذا يفكر ، بل إلى من يشجعه على أن يفكر .

- بصفتك أديبة وكاتبة ومديرة مكتب الكونجرس العربي الأمريكي الإسلامي في لبنان وسوريا، كيف تجمعين بين العمل الثقافي والفكري والعمل العام، وهل ترين أن الثقافة يمكن أن تكون أداة حقيقية للتأثير في القضايا العربية؟
** أؤمن أن الثقافة والعمل العام يلتقيان عند الإنسان.. فالكتابة بالنسبة لي ليست بعيدة عن قضايا الناس ، والعمل العام ليس بعيداً عن الفكر والثقافة ، كلاهما محاولة لفهم الواقع والتأثير فيه ، لكن كللّ منهما يستخدم أدوات مختلفة..
والثقافة يمكن أن تكون أداة حقيقية للتأثير في القضايا العربية، فهي لا تخاطب المواقف فقط، بل تخاطب الوعي والوجدان.. فقد تستطيع رواية أو فكرة أو عمل فني أن يصل إلى الإنسان بطريقة لا تستطيعها الخطابات السياسية أحياناً..
لذلك أحاول أن أجعل من الكتابة والعمل العام مسارين متكاملين؛ أن أكتب لأطرح الأسئلة وأحفز العقل على التفكير والعمل، وأعمل لأساهم في إيجاد بعض الإجابات، وفي النهاية يبقى الهدف واحداً وهو أن يكون للإنسان العربي صوت ، وأن تبقى ثقافتنا قادرة على صناعة الوعي والأمل.
- في ظل التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة في المنطقة، كيف تقرئين المشهد الثقافي العربي اليوم؟ وهل تعتقدين أن المثقف العربي ما زال قادرًا على صناعة التأثير؟
** لاشك أن المشهد الثقافي العربي اليوم يعيش مرحلة حساسة ومهمة في الوقت نفسه ؛ فمع التحولات السياسية والاجتماعية والتغير الكبير في وسائل التواصل ، لم يعد المثقف محصوراً في الكتاب أو المنبر الثقافي ، بل أصبح حاضراً في الفضاء العام وقادراً على الوصول إلى ملايين الناس يومياً..

وأنا أؤمن أن المثقف والإعلامي والفنان اليوم من أهم صنّاع التأثير.. ففي وقتنا الآن لم تعد الكلمة مجرد تعبير عن الواقع ، بل أصبحت قادرة على تشكيل الوعي ، وتغيير الصورة ، وطرح الأسئلة التي قد تقود إلى تغيير حقيقي.
لذلك أعتقد أن دور المثقف العربي لم يتراجع ، بل أصبح أكثر مسؤولية.. التحدي اليوم ليس في امتلاك منصة ، وإنما في أن نستخدمها بوعي وصدق ، وأن نحول الثقافة والإعلام من مجرد نقل للأحداث إلى صناعة للوعي والتأثير.
- إلى أي مدى يمكن للأدب أن يكون جسرًا للحوار بين الشعوب والثقافات، خصوصًا في ظل تصاعد الخلافات والصراعات في المنطقة؟
** الأدب من أقوى الجسور التي يمكن أن تجمع بين الشعوب فهو يعرّفنا بالآخر من خلال الإنسان ، وليس من خلال الصورة النمطية أو الخلاف السياسي.
عندما نقرأ رواية من بلد آخر فنحن لا نقرأ قصة فقط ، بل نتعرّف على ثقافة شعبه ، وعاداته ، وتاريخه ، وطريقة تفكيره ومشاعره.. ولولا انتشار الروايات العالمية وترجمتها ، لما تعرّفت شعوب كثيرة إلى تفاصيل حياة وثقافات شعوب أخرى.
لذلك أرى أن تبادل الأدب والمعرفة والخبرات بين الشعوب هو شكل من أشكال الحوار الحقيقي.. قد لا نستطيع أن نتفق في السياسة ، لكننا نستطيع أن نلتقي في كتاب ، وفي قصة ، وفي تجربة إنسانية.. وهنا تكمن قوة الأدب بأنه يفتح نافذة على الآخر ؛ ويجعل اختلافنا فرصة للتعرّف والفهم ، بدل أن يكون سبباً للخلاف والصراع.
- من خلال اهتمامك بالشأن الفكري، ما أبرز القضايا التي ترين أنها تحتاج إلى نقاش عربي جاد بعيدًا عن الاستقطاب السياسي والإعلامي؟
** أعتقد أن أهم ما نحتاجه اليوم هو أن نعيد الإنسان إلى مركز النقاش العربي.. بعيداً عن الاستقطاب السياسي والإعلامي ، هناك قضايا جوهرية تمس حياتنا ومستقبلنا مباشرة.. الإنسان ووجدانه ، الصحة النفسية ، التعليم ، دور الشباب والقدرة على مواكبة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي دون أن نفقد إنسانيتنا ، وغيرها العديد العديد من القضايا التي لاحصر لها..
لذلك أرى أن الشباب تحديداً يحتاجون إلى مساحة حقيقية من الثقة والفرص ، فهم لديهم أفكار جديدة تنتمي إلى جيلهم وربما يرون المستقبل بطريقة مختلفة عنا ، لذلك لا يكفي أن نتحدث عنهم ، بل يجب أن نمنحهم فرصة ليشاركوا ويقودوا ويجربوا..
نحن بحاجة إلى نقاش صريح حول كل ما نفتقده.. المعرفة ، الثقة ، الابتكار والإبداع ، الحوار ، والقدرة على تحويل الأفكار إلى مشاريع حقيقية.. لأن بناء المستقبل لا يكون فقط بمواكبة التكنولوجيا ، بل بمواكبة الإنسان نفسه ، وبالاستماع إلى الجيل الذي سيعيش هذا المستقبل..
- كيف تنظرين إلى علاقة المثقف العربي بالسياسة؟ وهل يجب أن يظل الكاتب والأديب بعيدًا عن التجاذبات السياسية، أم أن الواقع يفرض عليه أن يكون حاضرًا ومشاركًا؟
** برأيي لم يعد ممكناً أن يكون المثقف منفصلاً تماماً عن واقعه ، لأن السياسة في النهاية لا تبقى داخل المؤسسات ، بل تنعكس على حياة الإنسان ، ووعيه ، ومستقبله ، وحتى على أفكاره ومشاعره ، والزمن تغيّر ومعايير الحضور والتأثير تغيّرت معه.
لكن الحضور السياسي لا يعني بالضرورة الانخراط السياسي المباشر.. على العكس يمكن للكاتب أن يكون واعياً لما يحدث حوله وأن يتناول القضايا العامة بذكاء وعمق من دون أن يتحول إلى طرف في التجاذبات أو يفقد استقلاليته أو خصوصيته..
وأعتقد أن قوة المثقف الحقيقية تكمن في قدرته على أن يقول ما يريد بطريقة تجعل القارئ يفكر ، لا أن تملي عليه ماذا يفكر.. فالحياد الكامل ربما يكون صعباً أمام واقع يؤثر في الجميع ، لكن الاستقلالية والوعي والذكاء في طرح المواقف تظل ممكنة بل ضرورية.
- لبنان وسوريا يملكان إرثًا ثقافيًا وفكريًا كبيرًا، لكنهما يواجهان تحديات سياسية واجتماعية عميقة. كيف يمكن للثقافة أن تساهم في استعادة دور البلدين عربيًا وإقليميًا؟
** بالطبع لبنان وسورية لا يحتاجان إلى اختراع علاقة جديدة بينهما ، لأن العلاقة موجودة أصلاً في الناس والتاريخ والجغرافيا والذاكرة.. هناك عائلات ممتدة بين البلدين ، وبيئة وثقافة ولهجة وفنون وعادات مشتركة ، فما يحدث في سورية يؤثر في لبنان ، وما يحدث في لبنان يترك صداه في سورية ، وكأن بينهما علاقة أخوة لا تستطيع السياسة أن تلغيها..
أعتقد أن الثقافة والفن يمكن أن يكونا من أهم الطرق لاستعادة الحضور العربي والإقليمي للبلدين ، من خلال تكثيف التعاون في الأعمال الدرامية والسينمائية ، والمهرجانات والمعارض والفعاليات الفكرية والثقافية ، بحيث يعود لبنان وسورية إلى لعب دورهما الطبيعي كمساحة للإبداع والفكر..
لدينا إرث كبير نفتخر به ؛ من جبران وميخائيل نعيمة وفيروز ووديع الصافي في لبنان، إلى نزار قباني وأدونيس والماغوط وصباح فخري في سورية والقائمة تطول.. هذه الأسماء لم تكن ملكاً لبلد واحد فقط ، بل جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية كلها.
لذلك أرى أن استعادة الدور لا تبدأ فقط من السياسة ، بل من إعادة تحريك هذه الطاقة الثقافية المشتركة ، وفتح المجال أمام الجيل الجديد ليكمل ما بدأه السابقون..
ربما يكون لبنان بالنسبة للسوريين مثل الأخ أو الابن المدلل ، وسورية بالنسبة للبنانيين علاقة لا يمكن اختصارها بكلمة أو حدود.. وفي النهاية عندما تلتقي الثقافة والفن يصبح ما يجمعنا أقوى بكثير مما يفرقنا.
- في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، هل تعتقدين أن الكتاب والأدب ما زالا قادرين على منافسة المحتوى السريع، أم أن مفهوم القراءة والتلقي نفسه يتغير؟
بالطبع كل زمن له أدواته ، طريقة الناس في القراءة والتلقي تتغير مع تغير التكنولوجيا ، لكن لا أعتقد أن الكتاب انتهى أو أنه في منافسة مع التكنولوجيا
بالنسبة لي الكتاب ما زال شيئاً محسوساً وحاضراً وبقوة و هناك شريحة كبيرة من الناس لا يمكن أن تستغني عنه ، وفي الوقت نفسه لا أرى سبباً لوضع الكتاب في مواجهة التكنولوجيا على العكسمن الممكن أن ندمجه معها بذكاء..
ففي وقتنا الإنترنت ووسائل التواصل أعطت الكتاب مساحة أكبر للانتشار ، وسهّلت النشر والتسويق والوصول إلى القراء في أماكن لم يكن من السهل الوصول إليها سابقاً..
حتى في صناعة الكتاب والأعمال المرتبطة به ، أصبح الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا أدوات تساعد الكاتب والمبدع في بعض المراحل إذا استخدمناها بوعي ولم نسمح لها بأن تلغي دور الإنسان.. الآن العالم أصبح بين أيدينا ونستطيع أن نكتب في مكان ويصل ما كتبناه إلى قارئ في مكان آخر خلال دقائق ؛ لذلك أنا لا أخاف على الكتاب من التكنولوجيا ، بل أرى أن أمامه فرصة أكبر للانتشار ، بشرط أن نعرف كيف نستخدم أدوات عصرنا من دون أن نفقد قيمة الكتاب وروحه.
- كيف ترين دور المرأة العربية في المشهد الثقافي والفكري اليوم؟ وهل أصبحت المرأة تمتلك المساحة الكافية للتعبير عن أفكارها وصناعة القرار الثقافي؟
** بالتأكيد، وأعتقد أن حضور المرأة العربية في المشهد الثقافي والفكري اليوم لم يعد حضوراً هامشياً أو تابعاً، بل أصبحت شريكة أساسية في صناعة الفكرة والوعي.
المرأة بطبيعتها لديها قدرة كبيرة على بناء الإنسان وهو من أولويات واجباتها ؛ فهي لم تعد تصنع فكرة فقط ، بل دورها أن تنقلها إلى الأجيال ، وتؤثر في الأسرة والمجتمع والتعليم والثقافة.. كثير من الأفكار التي غيّرت مجتمعاتنا كان للمرأة دور فيها ، حتى لو لم يكن هذا الدور ظاهراً بالشكل الكافي.
أما هل أصبحت تمتلك المساحة الكافية؟ أعتقد أننا قطعنا شوطاً كبيراً ، لكن بالطبع ما زالت هناك مساحات يجب أن تُفتح أكثر وليس من باب المجاملة أو منح المرأة فرصة لأنها امرأة ، وإنما لأن لديها ما تضيفه فعلاً ، المطلوب أن نصل إلى مرحلة تُقيَّم فيها المرأة على فكرتها وكفاءتها وتأثيرها ، لا على جنسها.
وأنا أؤمن أشدّ الإيمان أن المرأة عندما تدخل المجال الثقافي والفكري لا تأتي فقط بصوتها ، بل تأتي بتجربتها ورؤيتها وحساسيتها تجاه الإنسان والحياة ، ولهذا فإن وجودها ليس إضافة جميلة للمشهد فقط ، بل ضرورة لصناعة مشهد أكثر توازناً وثراءً..
المرأة العربية اليوم لا تحتاج فقط إلى أن تُسمع ، بل تحتاج إلى أن تكون شريكة في صناعة القرار الثقافي نفسه.
- من موقعك في الكونجرس العربي الأمريكي الإسلامي، كيف يمكن بناء جسور أكثر فاعلية بين العالم العربي والجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة، خصوصًا في المجال الثقافي والفكري؟
** أرى أن أهم دور يمكن أن تقوم به هذه المؤسسات هو الربط والاحتواء وتعريف الآخر بثقافتنا ، وفي الوقت نفسه تعريفنا بثقافة الآخر.. فالجاليات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة ليست مجرد امتداد جغرافي بعيد بل هي جسر طبيعي بين مجتمعين وثقافتين..
ومن هذا المنطلق ، أرى أن دور الكونغرس العربي الأمريكي والإسلامي ، الذي تأسس عام 1988 على يد أمينه العام الدكتور زكريا خلف يتجاوز الجانب السياسي ؛ فقد سعى منذ نشأته إلى أن يكون مساحة لخدمة المغتربين والتواصل معهم في مجالات متعددة، سياسية وعلمية وإعلامية وخدمية وتجارية...، والأهم بدورهم هو إيجاد قنوات حوار حقيقية بينهم وبين العالم العربي. بين القادة والشعوب..
وأعتقد أن الثقافة هي الطريق الأكثر هدوءاً وفاعلية لهذا التواصل ، من خلال المؤتمرات والندوات والمعارض والمهرجانات والتبادل الثقافي والفكري نستطيع أن نعرّف الشعوب ببعضها بعيداً عن الصور النمطية التي قد تصنعها السياسة أو الإعلام.
في النهاية نحن لا نريد فقط أن تصل الثقافة العربية إلى الآخر ، بل نريد أيضاً أن نفهم تجارب وثقافات المجتمعات التي نعيش ونتعامل معها ؛ الجسر الحقيقي لا يعمل باتجاه واحد ، هو طريق للعبور في الاتجاهين.. وهذه برأيي هي القيمة الأهم لأي مؤسسة تسعى إلى بناء علاقة صحية ومستدامة بين العالم العربي والولايات المتحدة..
- لو طلبنا منك توجيه رسالة إلى جيل الشباب العربي الذي يعيش وسط هذا الكم من الأزمات والتحولات، ماذا تقولين له؟ وما الدور الذي تتمنين أن يلعبه في صناعة مستقبل عربي مختلف
** أقول للشباب العربي: لا تنتظروا أن تصبح الظروف مثالية حتى تبدأوا ؛ نحن نعيش في زمن مليء بالتناقضات والأزمات ، لكننا نعيش أيضاً في زمن لم تكن فيه الفرص متاحة بهذا الشكل من قبل.. أنتم تملكون اليوم شيئاً لم يكن متاحاً لأجيال كثيرة قبلنا ؛ شاشة صغيرة تستطيع أن توصلكم إلى العالم كله ، تستطيعون أن تتعلموا ، وتبنوا فكرة ، وتعملوا ، وتعرّفوا الناس بكم وبثقافتكم ، وتصنعوا تأثيراً حقيقياً من مكانكم ؛ لذلك لا تقفوا متفرجين على زمنكم ، ولا تقولوا إننا لا نستطيع.
لذلك على الشباب أن يكونوا جزءاً من واقعهم ، وأن يأخذوا فرصتهم واذا لم يجدوها عليهم أن يصنعوها بأنفسهم ؛ ولا ينتظروا أن يأتي أحد ليمنحها لهم ، وما من حق لنا على أنفسنا أكثر من أن نعطيها جهدنا وأن نحاول حتى لو أخطأنا..
وأقول لهم أيضاً : مجتمعاتنا مليئة بالمشكلات نعم ، لكنها مليئة أيضاً بالعقول والأفكار والمواهب.. الفكر والثقافة ليسا ترفًا في هذه المرحلة ، بل هما من الأدوات التي نستطيع من خلالها أن نصنع مستقبلاً مختلفاً ،
ووسط كل هذا الزحام هناك شيء أتمنى ألا نخسره وهو أنفسنا.. استخدموا التكنولوجيا ، ولا تسمحوا لها أن تستخدمكم.. استفيدوا من الذكاء الاصطناعي ومن كل أدوات العصر ، لكن اتركوا دائماً مساحة للكتاب ، للتأمل ، للحوار ، للعائلة ، للصداقة ، ولللحظة التي نكون فيها وحدنا مع أنفسنا.
فالمستقبل لا تصنعه التكنولوجيا وحدها ، بل الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها دون أن يفقد إنسانيته.