اهم الاخبار
الأحد 02 أغسطس 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

المعركة التي لا يراها أحد.. صراع الفطرة والمصلحة داخل الإنسان من الموسوعة الفكرية لـ علي الشرفاء

سرّ اتفاق البشر على العدل واختلافهم على المصالح.. القرآن يحسم الجدل ..لماذا ترتاح النفس للصدق وتنفر من الظلم؟

علي الشرفاء
علي الشرفاء

من موسوعة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي لماذا تتفق الفطرة مع القيم وتختلف مع المصالح؟

حين نتأمل النفس الإنسانية، نجد أنها ترتاح إلى العدل، وتعجب بالإحسان، وتطمئن إلى الصدق، وتنفر من الظلم والخيانة والغدر. وهذا يدفعنا إلى سؤال جوهري:

لماذا تتفق الفطرة مع القيم، بينما تختلف حول المصالح؟

لقد أجاب القرآن الكريم عن هذا السؤال في آيات جامعة، فقال تعالى:

> ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

 

إن هذه الآيات تكشف حقيقة بالغة الأهمية؛ فالنفس الإنسانية لم تُترك جاهلة بطريق الخير والشر، بل ألهمها الله إدراك الطريقين، ثم ترك لها حرية الاختيار. ولهذا لم يجعل القرآن الفلاح نتيجة هذا الإلهام، وإنما نتيجة ما يختاره الإنسان بعده؛ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾.

ومن هنا نفهم سر وجود الخير والشر معًا في حياة الإنسان. فليس المقصود أن يستسلم للفجور، وإنما أن يكون مسؤولًا عن اختياره. فالقيمة لا تكون قيمة إلا إذا اختارها الإنسان بإرادته، والعدل لا يكون عدلًا إلا إذا قُدِّم على الظلم رغم القدرة عليه.

أما المصالح فشيء آخر؛ فهي متغيرة بتغير الأشخاص والظروف والأزمنة. فما يراه فرد مصلحة قد يراه غيره ضررًا، وما ينفع أمة قد يضر أخرى. ولذلك كانت المصالح سببًا لكثير من النزاعات، بينما بقيت القيم الكبرى موضع اتفاق بين البشر جميعًا.

إن المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والناس، بل بين الإنسان ونفسه. ففي كل موقف يقف أمام طريقين: طريق تزكية النفس، وطريق دسِّها.

أيها الإنسان... أي الطريقين ستختار؟

هل تستجيب لما أودعه الله في فطرتك من قيم العدل والرحمة والصدق والإحسان، فتزكي نفسك وتسمو بها؟

أم تجعل المصلحة العاجلة تغلب على الفطرة، فتفتح للفجور بابًا على حساب القيم؟

إن مستقبل الإنسان، بل ومستقبل الحضارات، يتحدد بالإجابة عن هذا السؤال. فكلما انتصرت القيم على المصالح الضيقة ارتقت الإنسانية، وكلما غلبت المصالح المنفصلة عن القيم، ازداد الصراع والظلم والفساد.

وفي إطار مشروع مؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، تبرز المقاصد العليا للقرآن الكريم باعتبارها المنظومة القيمية التي تعيد التوازن بين الفطرة والمصلحة، وتجعل الإنسان قادرًا على أن يختار طريق التزكية، لا طريق التدسية.

ومن هنا يبرز السؤال التالي: إذا كانت الفطرة الإنسانية تشترك في إدراك هذه القيم، فهل يمكن أن تكون أساسًا لبناء علم عالمي للأخلاق؟ .