اهم الاخبار
الخميس 25 يونيو 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

بين قراءة التاريخ والعودة إلى القرآن

الوكالة نيوز

يطرح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي تصورًا أعمق لكيفية التعامل مع التاريخ لا بمنطق التقديس الذي يعطل العقل ويمنع المراجعة وإنما بمنطق الفهم والاعتبار واستخلاص الدروس حتى لا تتكرر الأخطاء في المستقبل فالتاريخ ليس نصًا مقدسًا وإنما سجل لأفعال البشر بما فيها من صواب وخطأ ونجاح وإخفاق

ومن هذا المنطلق يدعو إلى إعادة النظر في المرحلة التي أعقبت وفاة الرسول عليه السلام باعتبارها لحظة مفصلية انتقلت فيها الأمة من تلقي الوحي إلى مسؤولية تطبيقه والاحتكام إليه وكان المنتظر أن يكون القرآن الكريم المرجعية العليا والحاكم بين الناس إلا أن الصراعات السياسية والخلافات التي نشأت مبكرًا كشفت عن تراجع الاحتكام إلى المنهج القرآني في إدارة شؤون الأمة لتحل محله اجتهادات بشرية وصراعات على السلطة تركت آثارها العميقة على مسيرة المسلمين عبر القرون

ويؤكد الشرفاء أن الأزمة لم تكن في وجود الاختلاف فالاختلاف سنة من سنن الحياة وإنما في غياب المرجعية القرآنية عند إدارة ذلك الاختلاف فالقرآن دعا إلى العدل والشورى والرحمة ووحدة الصف وحرمة الدماء لكن الواقع سار في اتجاه مغاير أدى إلى انقسامات وصراعات لا تزال الأمة تدفع ثمنها حتى اليوم

ومن هنا تأتي أهمية تحرير الوعي من تقديس الأحداث والشخصيات لأن التقديس يحجب الحقيقة ويمنع الاستفادة من دروس التاريخ فالرشد لا يقاس بالأسماء ولا بالعصور وإنما يقاس بمدى الالتزام بقيم القرآن ومبادئه في إقامة العدل وصيانة الحقوق وحفظ كرامة الإنسان

ويرى المفكر أن ما تعيشه الأمة اليوم من فرقة وضعف وتراجع ليس معزولًا عن ذلك المسار التاريخي الطويل الذي بدأ عندما تراجع القرآن من موقع القيادة والتشريع إلى موقع التلاوة والطقوس فالمشكلة ليست في غياب المصحف عن البيوت ولا في قلة من يقرؤونه وإنما في غياب أحكامه ومقاصده عن واقع الحياة ومؤسسات الدولة وأنظمة الحكم والعلاقات بين الناس

لقد أصبح الإسلام عند كثير من المجتمعات عنوانًا وشعارًا وانتماءً شكليًا بينما غابت تشريعاته وقيمه ومنهجه القائم على الحرية والرحمة والسلام والعدل واحترام حقوق الإنسان ولو عاد القرآن ليكون المرجعية الوحيدة الحاكمة في التشريع والسلوك وإدارة شؤون المجتمع لاستطاعت الأمة أن تقدم نموذجًا حضاريًا يحقق الأمن والاستقرار والكرامة للإنسان ويقود العالم نحو مستقبل أكثر عدلًا ورحمة وسلامًا

إن الدعوة إلى مراجعة التاريخ ليست دعوة إلى هدمه أو التنكر له بل هي دعوة إلى قراءته بعين القرآن والتمييز بين الدين الإلهي الكامل وبين الممارسات البشرية التي يعتريها الخطأ والصواب فالأمم لا تتقدم بتجميل أخطائها وإنما تتقدم عندما تمتلك الشجاعة للاعتراف بها وتصحيح مسارها

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل مسلم هل نكتفي بحفظ القرآن وتلاوته أم نعيده إلى موقع القيادة ليكون المرجع الحاكم في الفكر والتشريع والسلوك فالمستقبل لن تصنعه الشعارات وإنما يصنعه الاحتكام الصادق إلى كتاب الله وجعل قيمه في العدل والرحمة والسلام أساسًا لبناء الإنسان والمجتمع والدولة

عندها فقط يمكن للأمة أن تخرج من دائرة التنازع والضعف والتبعية وأن تستعيد رسالتها الحضارية التي أرادها الله رحمة للعالمين