اهم الاخبار
الإثنين 18 مايو 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

نداء من القرآن يهز البيوت المنكسرة .. وجع البيوت الصامت

الطلاق يهدد أمن المجتمع .. كتاب لـ علي الشرفاء الحمادي يبكي القلوب قبل العيون

الوكالة نيوز

حين ينهار بيت واحد لا تسقط جدرانه فقط .. إنما يرتجف قلب مجتمع كامل .. وبين دمعة طفل .. وصمت امرأة .. وحيرة رجل .. يطلّ كتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع» للمفكر العربي الكبير  علي الشرفاء الحمادي .. وكأنه صرخة وعيٍ تعيد الإنسان إلى نور القرآن .. حيث الرحمة أوسع من الخلاف .. والأسرة وطنٌ لا يجوز أن ينكسر .

فـ هناك طفلٌ هذه الليلة .. ينام على وسادةٍ مبتلة بالدموع، لا يفهم لماذا اختفى صوت الضحكات من البيت، ولماذا تحولت المائدة التي كانت تجمع القلوب إلى صمتٍ بارد يشبه الغياب.

وهناك امرأة تجلس وحدها تحدّق في السقف، تسأل نفسها كيف تحوّل الحلم الذي بدأ بكلمة “أحبك” إلى أوراق قضايا ومحاكم وخصومات.

.. و .. و هناك رجل يهرب من ضجيج العالم، لكنه يعجز عن الهروب من صوتٍ داخلي يهمس له: كيف انهارت الأسرة بهذه السرعة؟

هكذا يبدأ الوجع .. لا بصوت الطلاق إنما بصوت الروح حين تنكسر .

ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع» للمفكر الكبير  علي الشرفاء الحمادي، ذلك الكتاب الذي لا يقرأ الأرقام بوصفها إحصاءات جامدة، إنما يقرأ خلف كل رقم بيتًا تهدم، وطفلًا ضاع، وقلبًا احترق، ومستقبلًا يتشقق بصمت.

الكتاب ليس حديثًا عن رجل وامرأة فقط .. إنه حديث عن وطنٍ كامل قد يتعب حين تتفكك أسرُه .. و عن مجتمعٍ يفقد توازنه كلما سقطت قيمة الرحمة من البيوت .. وعن أجيالٍ تنمو وسط الخوف والقلق والانكسار.

وفي قلب هذا المشروع الفكري الكبير، يرفع علي الشرفاء الحمادي نداءه الواضح : عودوا إلى القرآن الكريم .. عودوا إلى النبع الأول الذي صنع الطمأنينة داخل البيوت .. ووضع للإنسان منهجًا يحفظ الكرامة والرحمة والعدل.

فالقرآن حين تحدث عن الزواج لم يقدمه كعلاقة مادية جافة، ولم يصوره كساحة انتصار لأحد الطرفين، إنما رسم صورة مدهشة تهز القلب من عمقها بقوله تعالي : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً " ..

تأملوا هذه الكلمات : " مودة ورحمة " .. ليست أوامر قاسية .. ولا معركة صلاحيات .. إنها علاقة أرادها الله سكنًا للروح قبل الجسد.

لكن ماذا حدث ؟ .. كيف تحولت البيوت إلى ساحات توتر ؟ .. كيف أصبح الطلاق خبرًا عابرًا يتكرر كل يوم حتى فقد الناس صدمتهم ؟ .. كيف صار الأطفال يدفعون ثمن خلافات الكبار ؟

هنا يفتح الكتاب جراحًا مسكوتًا عنها، ويتحدث بجرأة عن عالمٍ فقد كثيرًا من معاني الرحمة، حتى أصبح الغضب أسرع من الحكمة، وأصبحت لحظة انفعال قادرة على هدم سنواتٍ من العمر.

وفي ظل قوانين جديدة للأحوال الشخصية، يطرح الكتاب سؤالًا عميقًا : هل تستطيع القوانين وحدها حماية الأسرة إذا غابت القيم التي جاء بها القرآن الكريم ؟

إن أخطر ما يلفت الانتباه في طرح علي الشرفاء أنه لا يتحدث بلغة الاتهام، ولا يحاول إشعال الصراع بين الرجل والمرأة، إنما يدعو إلى إنقاذ الإنسان نفسه من الكراهية والعناد والانتقام .. فالقرآن لم يجعل الطلاق بابًا للفوضى، إنما وضع له ضوابط دقيقة تحمي النفوس من الاندفاع والظلم والانكسار.

إذ يقول الله تعالى : " الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ " .. صدق الله العظيم .. يا لهذا التعبير المذهل : " تسريح بإحسان " .. حتى الفراق له أخلاق .  حتى النهاية يجب أن تبقى فيها إنسانية تحفظ ما تبقى من الود والكرامة .

وفي الوقت الذي أصبحت فيه مواقع التواصل تصنع الخصومات وتؤجج الغضب، يذكّرنا الكتاب بأن القرآن يفتح أبواب الإصلاح قبل أي قرار مصيري .. لقوله تعالي : " وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا " .. صدق الله العظيم

إنها دعوة عظيمة تمنح الأسرة فرصة أخيرة للحياة .. فرصة للهدوء .. للحوار .. لإنقاذ الأطفال من التشرد النفسي .. فالأسرة في رؤية القرآن ليست عقدًا مؤقتًا، إنما حضنٌ للأمان الإنساني، ومصنعٌ للأخلاق، ومدرسةٌ أولى يتعلم فيها الطفل معنى الرحمة والصدق والانتماء .. وعندما تنهار الأسرة، يبدأ المجتمع كله في دفع الثمن.

تزداد القسوة .. ويتسع الفراغ العاطفي .. وينمو جيل يحمل داخله خوفًا مكتومًا من الحب والاستقرار .. لهذا يرى علي الشرفاء الحمادي أن حماية الأسرة ليست قضية شخصية تخص الأزواج وحدهم، إنما قضية أمن مجتمع كامل .. فالاستقرار الحقيقي لا تصنعه الجدران العالية، ولا القوانين الصارمة وحدها .. الاستقرار يبدأ من بيتٍ هادئ، ومن قلبين يعرفان معنى الرحمة .

وفي مشروعه الفكري، يؤكد علي الشرفاء أن العودة إلى القرآن ليست عودة إلى الماضي كما يظن البعض، إنما عودة إلى أعظم منظومة أخلاقية عرفتها الإنسانية .. منظومة تجعل العدل أساس العلاقة، وتجعل الرحمة أقوى من الغضب، وتجعل الإنسان مسؤولًا عن كلماته وقراراته .

ويستوقفنا القرآن مرة أخرى بهذه الآية العميقة : " فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا " .. صدق الله العظيم .. كم من بيتٍ كان يمكن إنقاذه لو انتصر الناس للحكمة لحظة الغضب؟ .. و كم من طفلٍ كان يمكن أن ينام مطمئنًا لو تأخر قرار الانفصال قليلًا؟ .. و كم من قلبٍ كان يمكن أن يشفى لو حضرت الرحمة وغاب الكبرياء؟

إن كتاب «الطلاق يهدد أمن المجتمع» ليس مجرد صفحات تُقرأ .. إنه صرخة إنسانية مؤثرة تدعو الناس إلى إنقاذ ما تبقى من دفء العائلة .. دعوة لإعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للزواج كما أراده الله : " مودة .. و رحمة .. و سكينة .  و احترام " .

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وجعًا وصدقًا : كل بيتٍ ينجو من الانهيار .. هو روحٌ جديدة تُمنح لهذا المجتمع .. وكل أسرة يحفظها الحب والرحمة .. هي وطن صغير يضيء العالم من الداخل .. اللهم اني قد بلغت اللهم فاشهد .