اهم الاخبار
الجمعة 17 أبريل 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

خالد العوامي يكتب : انتحار بسنت سليمان .. رحيل موجع يكشف أزمة الخطاب الديني

علي الشرفاء
علي الشرفاء

 

 

 

 

 



 


 


 


 

 


 

  • علي الشرفاء يطرح طريق النجاة من خطاب القسوة والتكفير .. عودوا الي القرآن فلا تكفير لمن سحقه الألم


 

  • هل نواسي المنكسرين أم نطاردهم بأحكام مخيفة ؟ .. مأساة حائرة بين وجع النفس وقسوة فتاوي شيوخ الضلال

مشهد انتحار " بسنت سليمان " كان صادماً .. هز الرأي العام .. رحلت فتاة الإسكندرية أمام أعين الآلاف عبر بث مباشر استمر ساعة كاملة .. بدت بسنت وكأنها تصرخ في وجه عالم تأخر كثيراً عن إنقاذها .. لم تكن تلك اللحظة مجرد واقعة انتحار .. لكنها كانت جرس إنذار مدوي يكشف حجم الألم الصامت الذي يعيشه الكثيرون خلف الشاشات والوجوه العابرة .

انها مأساة  لا تستدعي الحزن .. بقدر ما تفرض علينا مراجعة خطابنا الديني والإنساني المتشدد والمنغلق : هل نداوي الجرح بالرحمة والفهم ؟ .. أم نضاعف الألم بأحكام قاسية ؟ .

فتاوي تكفر المنتحر .. ثم .. ثم تخرج به عن الملة والدين .. وهنا يبرز السؤال الأعمق والأخطر : هل المنتحر كافر .. هل يخرج من الدين والملة ؟ .. ام ان الدين الرحيم له رأي آخر يراعي خطورة ما مر ويمر به الإنسان من لحظات ضعف ربما أجبرته عليها قسوة الحياة وشطفها  ؟! .

أكرر السؤال وأكرر : هل المنتحر كافر ؟ .. سؤال يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بكيفية فهم الدين .. وحدود سلطة البشر في إطلاق الأحكام على مصائر الناس .. فحين يتحول الألم الإنساني إلى مناسبة للتشدد .. يصبح من الضروري استدعاء خطاب ديني أكثر رحمة وعدل واتزان .. بما يعيد الاعتبار لمقاصد الشريعة وروح " القرآن الكريم " اصل الدين ومنبعه الصافي .

وفي ضوء المشروع الفكري الذي يدعو إليه المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي .. القائم على العودة إلى " القرآن الكريم " بوصفه المرجعية العليا لفهم الدين .. فإن قضية الانتحار لا ينبغي أن تُقرأ بعين القسوة .. أو .. أو بمنطق التكفير كما يروج له أدعياء الدين .. لكنها تحتاج الي فهم قرآني شامل يوازن بين حرمة النفس البشرية وسعة الرحمة الإلهية .

فالقرآن الكريم شدد بوضوح على حرمة النفس .. إذ يقول المولي سبحانه وتعالى :  " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا " .. وهي آية تجمع بين النهي الصريح عن إزهاق النفس .. والتذكير في الوقت ذاته بأن رحمة الله تحيط بالإنسان حتى في لحظات ضعفه .. فالنص القرآني هنا لا يفتح باب الإقصاء .. لكنه يلفت إلى قدسية الحياة وضرورة صونها.

.. و .. و أحسب انه من هذا المنطلق يعد الانتحار ذنب عظيم وخطيئة جسيمة .. كما أحسب انه لا يرقى تلقائيًا إلى الحكم بـ " الكفر أو الخروج من الملة "  .. لأن التكفير في ميزان القرآن ليس حكم يُلقى جزافاً .. ولا يُبنى على المعصية مهما عظمت .. لكنه جحود صريح وإنكار متعمد لأصول الدين والإيمان .

المشروع التنويري الذي يطرحه الشرفاء الحمادي.. ينطلق من رفض تحويل الدين إلى أداة للترهيب أو الإقصاء .. ويرى أن جوهر الرسالة الإلهية قائم على الرحمة والعدل ورفع الحرج عن الناس .

والانتحار في كثير من الحالات ليس تعبير عن رفض الإيمان .. لكنه قد يكون نتيجة انهيار نفسي .. أو يأس شديد .. أو معاناة داخلية لم يجد صاحبها من يمد له يد النجاة .

ومن هنا .. فإن اختزال مأساة المنتحر في سؤال : هل كفر أم لا ؟ .. هو اختزال قاسي يغفل السياق الإنساني .. ويغلق باب الرحمة الذي فتحه الله لعباده .. فالأَوْلى بالمجتمع وبالخطاب الديني أن يتعامل مع هذه المآسي بمنطق المواساة والدعاء .. لا بمنطق إصدار الأحكام النهائية التي هي من اختصاص الله وحده .

إن العودة إلى القرآن الكريم .. كما يدعو الشرفاء الحمادي .. تعني أن نستعيد صورة الدين بوصفه رحمةً للعالمين .. لا سيف مسلط على رقاب المنكسرين .  فالدين الحق لا يزيد الجراح عمق لكنه يضمدها .. ولا يطرد الضعفاء لكنه يحتضنهم .. ولا يغلق أبواب الأمل انما يفتحها حتى في أحلك اللحظات .

وفي هذا السياق .. يبرز البعد القرآني العميق الذي يؤكد سعة رحمة الله تعالى بعباده .. وفتح باب التوبة أمام كل من أسرف على نفسه أو وقع في الخطأ .. دون قنوط أو يأس .. فقد قال سبحانه وتعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: 53).

وتؤكد هذه الآية الكريمة أن باب الله مفتوح لا يُغلق .. ليل ونهار .. يتلقى توبة التائبين ويغفر للمذنبين ويهدي التائهين .. متى صدقت نياتهم وعزموا على الرجوع إليه عزماً خالصاً .. وعقدوا مع الله عهداً صادقاً على ترك الذنوب وعدم العودة إليها .

وحينها تتحقق الاستجابة الإلهية في مسار حياة الإنسان .. حيث ينتقل من الانقياد للهوى والضعف إلى الالتزام بمنهج الله القويم .. مستمسكاً بهداه حتى يلقى ربه .. في نهاية رحلة الابتلاء في هذه الدنيا .

.. و .. و في النهاية .. يبقى المنتحر إنسان أخطأ .. أو انهار تحت وطأة الألم .. لكنه يظل عبد لله .. يعلم الله وحده حقيقة ما مرّ به .. وما اختلج في قلبه من وجع وألم .. لذلك فإن الموقف الأليق أخلاقياً ودينياً  هو الدعاء له بالرحمة .. والدعوة إلى بناء خطاب ديني أكثر إنسانية ورحمة بعيد عن دعاوي الانغلاق والتشدد وتكفير الاخر .

اللهم اني قد بلغت .. اللهم فاشهد .