تحقيقات وحوارات
د معتز صلاح الدين يكتب : دراسة تحليلية لكلمة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي التى تضمنت نداء يدعو إلى وحدة الصف العربي
مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط – نورث كارولينا، الولايات المتحدة الأمريكية
*أولًا: تمهيد*
في سياق متسارع التحولات، تتصاعد أهمية الخطاب الفكري الذي يتجاوز حدود الوصف ليبلغ مستوى التشخيص والاستشراف... جاءت كلمة المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام، التي أُلقيت نيابةً عنه على لسان الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة، خلال الملتقى الوطني السادس المنعقد تحت عنوان: "الوعي المجتمعي وبناء الإنسان.. معًا نبني الوعي، معًا نصنع السلام"، لتُمثّل وثيقةً خطابية جديرة بالدراسة والتحليل، لما تنطوي عليه من أبعاد فكرية وقيمية وسياسية متعددة الطبقات ونداء عاجلا إلى
"وحدة الصف"
*ثانيًا: السياق العام للكلمة*
1. الإطار المؤسسي
صدرت الكلمة عن مؤسسة رسالة السلام حيث أن الكلمة كانت لمؤسس مؤسسة رسالة السلام الكاتب والمفكر الاستاذ على الشرفاء
2. الإطار الزماني والمكاني
انعقد الملتقى في مرحلة تاريخية دقيقة تمر بها المنطقة العربية، وهو ما منح الخطاب طابعا استعجاليا يتجاوز الأدبيات التقليدية للندوات الفكرية.
*ثالثًا: التحليل البنيوي للخطاب*
1. المحور التشخيصي: قراءة الواقع
استهل المفكر الاستاذ على الشرفاء خطابه بتشخيص صريح للحالة الراهنة، إذ أشار إلى ما تشهده الساحة من "خلافات وتراشق في الخطاب قد يصل إلى القطيعة"، وهو توصيف يحمل في طياته ثلاث دلالات جوهرية:
دلالة التحذير: إذ لا يكتفي بوصف الظاهرة بل يرصد خطورتها على النسيج المجتمعي.
دلالة الشجاعة الفكرية: في الاعتراف العلني بوجود أزمة حقيقية لا يجوز التهوين منها.
دلالة الاستدعاء للمسؤولية: حين يقول "يستدعي وقفة جادة ومسؤولة من الجميع"، فهو يوزّع عبء الإصلاح على المجتمع بأسره لا على طرف بعينه.
2. المحور القيمي: منظومة المبادئ
قدّم الخطاب منظومة قيمية متكاملة تقوم على ثلاثية محورية:
*القيمة*
*الوظيفة الخطابية*
الأثر المجتمعي المنشود
الحب
بناء الرابطة الإنسانية
تجاوز الاحتقان الأفقي
الوحدة
صون الكيان الجمعي
مواجهة التفتت الهوياتي
الاصطفاف الوطني
تعبئة الطاقة الجماعية
تحقيق التنمية والأمن
3. المحور الديني: توظيف النص القرآني
استشهد الخطاب بقوله تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا"، وهو توظيف لا يعد مجرد تزيين أسلوبي، بل يؤدي وظائف خطابية عميقة:
يمنح الدعوة مشروعية تتجاوز حدود السلطة البشرية.
يستدعي الضمير الجمعي للمتلقي المسلم بصورة مباشرة.
يُحوّل الوحدة من خيار سياسي إلى واجب ديني وأخلاقي.
*رابعًا: التحليل الدلالي للمفاهيم المحورية*
1. مفهوم "وحدة الصف"
وصف الخطاب وحدة الصف بأنها لم تعد "خيارًا بل معركة بقاء"، وهذا الانتقال الدلالي من خطاب الرغبة إلى خطاب الضرورة يحمل دلالة استراتيجية بالغة؛ فهو يُعيد تأطير قضية الوحدة من إطار الفضيلة الأخلاقية إلى إطار متطلب الوجود، مما يرفع من درجة الإلحاح ويُضيّق هامش التردد.
2. مفهوم "الكلمة الأمانة"
جاء التأكيد على أن "الكلمة أمانة" ليُقرر مبدأً أخلاقيا حاكما للخطاب العام، في مواجهة ظاهرة التضخم اللفظي وتراجع مسؤولية الكلمة في الفضاء الرقمي. وهو مفهوم يُحمّل المتكلم مسؤولية أثر كلامه لا مجرد صياغته.
3. مفهوم "التخوين"
تضمّن الخطاب تحذيرًا صريحًا من آلية التخوين باعتبارها "طريق الانهيار"، وهو موقف فكري متقدم يُميّز بين النقد البنّاء والاتهام المدمّر، ويرفض توظيف الشك سلاحًا في معارك الرأي.
4. ثنائية البناء والهدم
تتكرر في الخطاب ثنائية حادة بين الكلمة التي "تبني أمة" والكلمة التي "تهدمها"، وهي ثنائية تُضفي على الخطاب طابعًا حضاريًا يستحضر الأمة كوحدة تاريخية تتجاوز الفرد والجماعة الآنية.
*خامسًا: الأبعاد الاستراتيجية* *للخطاب*
1. البعد الأمني المعرفي
نبّه الخطاب إلى أن "الأعداء يراهنون على الفرقة والانقسام"، وهو توصيف يُدرج الظاهرة الخطابية في سياق الصراع الحضاري الأوسع، ويُحوّل الوعي بمخاطر الانقسام إلى واجب أمني لا يقل عن الواجبات الميدانية.
2. البعد التنموي
جاء الربط بين وحدة الصف والنهضة والتقدم واضحًا في قوله: "الحفاظ على وحدة الأوطان هو الأساس لأي نهضة أو تقدم"، مما يُؤسّس لرؤية تنموية شاملة تجعل من التماسك الاجتماعي شرطًا مسبقًا للتنمية المادية.
3. البعد الإنساني
لم يتوقف الخطاب عند حدود الهوية الوطنية، بل امتدّ ليشمل "القيم الإنسانية النبيلة من محبة وإيثار وتضامن"، وهو ما يمنحه عالمية في الرؤية دون أن يفقد خصوصيته في التطبيق.
*سادسًا: الخاتمة* *الخطابية ودلالتها*
إختار المفكر الشرفاء أن يُنهي كلمته بثنائية حادة وواضحة: "إما أن نكون صفًا واحدًا نحو مستقبل مستقر ومزدهر، أو نظل ساحة لصراعات لا تنتهي"، وهي خاتمة تُوظف أسلوب الخيار الحتمي لأغراض عدة:
إغلاق باب التردد أمام مناطق الرماد والحياد.
استنهاض الإرادة الجمعية عبر تصوير المستقبل خيارًا مفتوحًا لا قدرًا مغلقًا.
تحويل الاستنكار إلى دافع للفعل لا مجرد تعبير عن الموقف.
*سابعًا* : *تقييم نقدي*
*نقاط القوة في الخطاب:*
التوازن بين الواقعية والمثالية: لا يقع الخطاب في فخ المثالية المجردة ولا في هوّة اليأس الواقعي.
الشمولية الخطابية: يخاطب طبقات مجتمعية متعددة بأدوات بلاغية متنوعة.
الانسجام الداخلي: تتسق مكونات الخطاب ولا تتناقض فيما بينها.
التوقيت الملائم: جاء في لحظة يشتد فيها الاحتياج إلى خطاب الوحدة.
*ملاحظات أخيرة* :
يمكن أن يضاف إلى الخطاب في صياغات مستقبلية آليات تطبيقية تُحوّل الدعوة إلى برامج قابلة للقياس.
..التوسع في معالجة أسباب الانقسام الخطابي قد يرسّخ التشخيص ويُقنع المتشككين.
*خلاصة الدراسة*
تُمثّل كلمة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي نموذجًا للخطاب الفكري الملتزم الذي يجمع بين عمق الرؤية وصدق الانتماء وشجاعة المواجهة. وقد استطاع هذا الخطاب أن يُقدّم دور رسالة السلام باعتبارها مشروعًا حضاريًا لا مجرد فعالية ثقافية، وأن يُؤسّس لفلسفة خطابية واضحة المعالم تجعل من الكلمة المسؤولة والوحدة ركيزتين لا غنى عنهما في مواجهة تحديات الراهن وتطلعات المستقبل.