اهم الاخبار
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

أخبار عاجلة

مجدى طنطاوى يكتب : البجاحة اخر مراحل السقوط

الوكالة نيوز

استوقفتني ذات مساء امرأة عاهرة تقف على باب فندق في موسكو تعرض نفسها على المارة لم يكن المشهد جديدا فهذه المظاهر تراها في مدن كثيرة من العالم لكن الذي شد انتباهي هذه المرة لهجتها العربية تبادلنا كلمات قليلة عرفت منها بلدها ثم أخذت تسرد كغيرها من ضحايا الحياة ما تراه مبررات لما انتهت إليه .

ولأن لكل إنسان روايته الخاصة لم أجد في حديثها ما يستحق التوقف طويلا حتى قالت جملة ظلت عالقة في ذهني إلى اليوم .

إذا وجدت المرء يتبجح كثيرا فاعلم أنه باع كل شيء ولم يعد لديه ما يخشى فقدانه أو هتك ستره .

كانت جملة صادمة ليس لأنها صدرت عن امرأة سقطت في مستنقع الحياة بل لأنها لامست حقيقة أراها تتكرر حولنا كل يوم .

فالإنسان الذي لا يزال يملك قيما يخاف عليها وسمعة يحرص على صونها وأخلاقا يستحي أن تنكشف عوراتها أمام الناس يظل في كلامه قدر من الحذر والتواضع ومراجعة النفس أما حين يفقد المرء كل ما يستوجب الحياء يصبح التبجح أسهل من التنفس وتتحول الوقاحة إلى فضيلة مزعومة ويصبح الهجوم على الآخرين وسيلته الوحيدة لإخفاء خوائه الداخلي .

ولعل أخطر ما نعيشه اليوم هو انتقال هذه الحالة من الأفراد إلى المجال العام فترى بعض الساسة يتباهون بأخطاء كانت الأجيال السابقة تخجل من مجرد الاعتراف بها وترى بعض المثقفين والإعلاميين يرفعون صوتهم لا قوة للحجة بل لأن الضجيج صار بديلا عن البرهان .

لقد كان الحياء في الأزمنة الماضية رادعا أخلاقيا يحفظ للناس توازنهم أما في زمن البجاحة فقد انقلبت الموازين فأصبح الاعتذار ضعفا والمراجعة تراجعا والوقاحة جرأة والتطاول شجاعة فكرية .

والمؤلم أن الحكمة التي عجز كثير من المتعلمين عن إدراكها جاءتني من إنسانة دفعتها ظروفها أو اختياراتها إلى قاع المجتمع وكأن الحياة أرادت أن تؤكد حقيقة قديمة أن الحكمة ليست حكرا على أحد وأن الإنسان قد يسمع كلمة تفتح له بابا من الفهم ممن لا يتوقعه أبدا .

لقد أدركت يومها أن أخطر مراحل السقوط ليست أن يخطئ الإنسان بل أن يفقد القدرة على الخجل من خطئه وأن يتحول من مستتر بمعصيته إلى متباه بها ومن مخطئ يطلب العذر إلى متبجح يهاجم كل من يذكره بالحقيقة .

وحين يصبح التبجح ثقافة فلا تنتظر من المجتمع إلا مزيدا من الانحدار لأن الأمم لا يهدمها الخطأ بقدر ما يهدمها الاحتفاء بالخطأ والدفاع عنه .

فالمتبجح في حقيقته ليس قويا كما يبدو وليس واثقا كما يدعي بل هو إنسان فقد ما كان يخشى عليه ولذلك لم يعد يرى سببا للحياء أو التستر أو مراجعة النفس .

ولهذا كان التبجح ولا يزال علامة على خسارة داخلية عميقة لا على قوة أو شجاعة أو تفوق كما يحاول أصحابه أن يوهموا الناس بها .

فالتبجح لا يمارسه إلا من باع كل شيء .