بأقلامهم
د عبد الراضي رضوان يكتب : مشروع الوعي التنويري بمؤسسة رسالة السلام العالمية
تأتي عناية مؤسسة رسالة السلام العالمية بالوعي والتنوير ليس فحسب لمجرد كونه طريقا معرفيا التزمه مؤسسها المفكر الاستاذ على محمد الشرفاء لإدراك الحقيقة وتكوين المعرفة التوجيهية الصائبة دينيا وعقليا وحضاريا ...وإنما لأن التزام النور والتنوير والوعي بهما هو استجابة للأمر الإلهي المباشر بالقرآن الكريم الذي جعل النور والتنوير هو أهم عطايا الله للإنسان كي يساعده في مهمته الوظيفية بالاستخلاف في الأرض وفي الاهتداء بهذا النور والهداية إليه.

وذلك من خلال ٤٩ موضعا بالقرآن جعلت النور هو الإيمان والقرآن الكريم والرسول الأعظم الذي جاء بالقرآن وكذلك الهداية وسبل السلام ، وذلك على سبيل المثال مثل قوله تعالى : ( وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) ، وقوله تعالى : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) فالنور والتنوير هو القرآن والرسول المرسل به لهذا قيل في النبي صلى الله عليه وسلم شِعراً :
إنَّ الرسول لنورٌ يُستضاء به
مُهنَّدٌ من سيوف الله مسلول.
وبهذا يكون التنوير منهجا ومضموناً مُنْتَجٌ إسلامي أصيل كما ثبت ذلك في الشعر ديوان العرب بالقرن الثالث الهجري في قول الشاعر :
إنارة العقل مكسوفٌ بِطَوع هوى
وعقلُ عاصي الهوى يزداد تنويراً .
وليس الأمر كما يزعم المفتونون بالحداثة والمتبتلون في محاريب التغريب والراسفون في أغلال التبعية للوعي الزائف ، بأن التنوير وليدٌ غربي الأرومة والميلاد.
ومايؤكد أصالة التنوير الإسلامية أن القرآن الكريم دستور شرعة الإسلام ومنهاجه قد جاء ببنية تنوير معرفي متكامل ذي شقين :
١. منهجيا قام بتصحيح مناهج التفكير المنحرفة تطرفا يمينا أو يسارا من خلال توظيف المناهج التي تهدم الهوية وتعمل على انسلاخ المجتمعات من هويتها الدينية والحضارية والأخلاقية فتكون ذيلا للحضارات والأفكار الوافدة.
وفي المقابل تؤسس المنهج الوسطي الذي يبني اليقين المعرفي والديني للمجتمع بما يضمن له السلامة من الانحراف ويمكنه من البناء والنهضة والتقدم .
٢. معرفيا ، وهو الجناح المقابل للوعي المنهجي يؤسس القرآن الكريم وعيا معرفيا صائبا دينيا ، وهذا الذي بمقتضاه يتم العمل علي تجديد الخطاب الديني بإزالة ركام الخطاب المتطرف سواء أكان تطرفا علمانيا بواسطة أدعياء الوعي الزائف المنبهرين لفلاسفة الغرب وفكره وأخلاقياته ، أم كان تطرفا دينيا نتاج الانغلاق العقلي والتراجع المعرفي والمرويات المغلوطة أو المكذوبة أو التأويلات الغالية.
وذلك على النحو المبين بالقرآن الكريم من خلال
قواعد وأصول وأدوات بناء الوعي الصحيح بالقرآن الكريم ، وطرق إعمال العقل وإمعان النظر واستنباط الوجدان والمدركات
الداخلية المسؤولة عن قوى المعرفة الوجدانية والعقل والحس
إلى جانب الوحي الإلهي ، لتجمع بذلك بين الفعل الإنساني والتنوير السماوي
الشامل مسائل الاعتقاديات ، والكونيات ، والإنسانيات ، والتشريعات ، والأخلاقيات والسلوك ، والوجدانيات ، وذلك مثل :
١ - المسئولية الذاتية :
لا يمكن إغفال المسئولية الذاتية عن التماس الوعي الرشيد وتحصيل المعرفة
بأدواتها ، فيقول تعالى : ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئكَ كَانَ عَنْهُ
مسئولا ) ، وكذلك المسئولية عن توظيفها وتفعيلها ، فيقول تعالى : ( ما يلفظ من
قَولٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ )
٢ - التجرد عن الهوى :
ولا يمكن إغفال التجرد عن الهوى والاحتكام إلى الموضوعية في
قضايا الوعي والمعرفية وأحكامها ومتطلباتها ومقتضياتها وعدم بناء الوعي دون قيام
دليل صحتها عليها ، وبالتالي عدم تأسيس الأحكام المعرفية على الظن ، فيقول تعالى : (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِ ) ،
وإذا تأسست المعرفية فلا مجال إلا العدل بها وفيها ، فيقول تعالى :
( وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى) ،
أما الميل مع الهوى فمنهي عنه في الوعي أو القول أو الفعل المعرفي ، فيقول
تعالى : ( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ).
٣ - اجتناب معوقات المعرفة الصحيحة :
اجتناب معوقات المعرفة الصحيحة من أمثلته الاستناد إلى شَغَب
العقل الجمعي الذي يحول بين الوعي الإدراكي الصحيح للحقائق والوقوف على البراهين ، بخلاف التأمل الذاتي الفردي ، فيقول تعالى : ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفَرَدَى ثُمَّ تَتَفكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن
جِنَّةٍ إن هُوَ إِلَّا ندذيرُ لَكُم بَيْنَ يَدَى عَذَابٍ شَدِيدٍ ) .
٤ - التزام التدرج المعرفي :
التزام التدرج المعرفي يكون بالبدء بمعرفة النفس ، فمن لم يدرك
مكنون ذاته ، ولم يع مكونات محيطه ، فهو بعيد عن سليم الفكر وصائب
النظر ، كما لو كانت تلك حكمة سقراط على معبد دلفي : اعرف
نفسك ، فيقول تعالى : ( أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ).
ه - الهدف النهائي من الوعي المعرفي :
فالهدف النهائي من ذلك الوعي و تلك المعرفية هو الارتقاء والتميز في الحياة العاجلة والآجلة .
فإذا كان العارفون لا يستوون مع غير العارفين فإن من لم يعمل
بموجب معرفته ويستغني عن أدواتها وثمراتها سيكون أشد النادمين ، فيقول تعالى : ( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كنا في أصحاب السَّعِيرِ ).