بأقلامهم
هشام النجار يكتب : قراءة قرآنية في الجدل الدائر بين عبدالله رشدي وحسام بدراوي
أثار تعليق الداعية السلفي عبدالله رشدي على تساؤل سياسي مصري بارز (السيد حسام بدراوي) حول مصداقية الأحاديث المُدونة بعد قرون من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حالة كاشفة لحجم الارتباك المنهجي الذي يحكم الخطاب الديني السائد حاليًا.
أصبحت المسألة وفق متابعتي ورصدي سؤالًا معرفيًا وأخلاقيًا يمسُّ جوهرَ الدين وحدود الوحي ومصدر الإلزام في الإسلام.
ولا أدري إلى أي مدى يعبّر ما طرحه السيد عبدالله رشدي عن الحالة الدينية الراهنة، في ظل غياب أي تعقيب علمي رصين أو تصويب من المؤسسات والعلماء، رغم أن القضية المطروحة تمسُّ جوهر الدين نفسه، وبالنظر إلى القاعدة الجماهيرية الواسعة التي يتوجّه إليها بخطابُه.
لكن ورغم ذلك، يحمل المشهد في حد ذاته دلالة إيجابية؛ حيث صار ملف المرجعية الدينية مطروحًا بقوة في الفضاء العام المصري، ولم يعد حكرًا على الدوائر المغلقة بما يستدعي خطابًا مسؤولًا يكشف الحقيقة دون انفعال أو تجريح.
يقوم المدخل الذي اعتمده رشدي على فكرة مركزية مفادها أن "الخبر الصادق" الذي أنتج منظومة الروايات يمثل مصدرًا معرفيًا مكافئًا للوحي الإلهي في القرآن، وأن البشرية عبر تاريخها اعتمدت على الحفظ والنقل الشفهي والكتابة معًا، وأن السنَّة - بحسب زعمه - نُقلت بهذه الآلية نفسها، فاستحقت الإلزام الديني.
هذا الطرح من قِبل (الشيخ عبدالله رشدي) رغم مظهره العقلي، يحمل في داخله مغالطة تأسيسية خطيرة، لأنه يخلط بين المعرفة الإنسانية النسبية والوحي الإلهي المطلق، ويُسقط شروط الإيمان القرآني على منظومة أخبار بشرية متنازَع حولها أصلًا.
يقرر القرآن المجيد بوضوح أن الوحي الإلهي له طبيعة خاصة ، محفوظة، محكمة، بعيدة عن احتمالات الخطأ والنسيان والتحريف؛ إذ يقول الله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ)، ويقول أيضًا: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، فالحديث هنا عن نص إلهي محفوظ بحفظ الله، وليس بحفظ البشر، ومُنزَّه عن شروط النقل الاجتماعي، ومتحرر من آليات "الثقة الشخصية" التي تحكم الأخبار الإنسانية. وحين يتم إدخال الروايات البشرية في هذا المقام، فإننا نكون أمام نقل غير مشروع للقداسة من كلام الله إلى أقوال البشر.
القياس الذي قدمه السيد عبدالله رشدي –الذي يتابعه مئات الآلاف على وسائل التواصل- عندما شبّه قبول الأحاديث بقبول خبر الأبِّ عن الجد، يعكس هذا الخلل بوضوح.
يا سيد رشدي.. الخبر الأسري والعائلي أو التاريخي لا يُبنى عليه إيمان ولا تشريع ولا حساب أخروي.
أما الدين، فيرتب التزامًا ونجاة وعقابًا، والقرآن الحكيم لم يجعل "الصدق الشخصي" معيارًا للإيمان، وإنما جعل البرهان الإلهي هو الأساس، ولهذا يسأل القرآن سؤالًا قاطعًا لا يقبل المُواربة: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ).
يحسمُ هذا السؤال المرجعيةَ من جذور جذورها؛ هكذا (الإيمان، في المنظور القرآني، فعل توحيدي خالص، لا يقبل الشراكة، ولا يتسع لمصدر موازٍ للوحي)، وهو لذلك لا يناقش صدقَ الرواة، ولا كفاءةَ الحفّاظ، ولا جَهد المُصنِّفين
أما الادعاء الذي أورده السيد رشدي في سياق ردِه الذي اتسم بالشعبوية على السيد بدراوي، بأن السنة ضرورية لمعرفة الصلاة والزواج وسائر الشعائر، فهو إعادة إنتاج لفكرة خطيرة مؤداها أن القرآن لم يكتمل تشريعيًا، وأن الله جل جلاله –حاشاه- ترك دينه ناقص البِنية، مُعلَّقًا على ذاكرة الرواة واجتهادات المُتأخرين.
والقرآن يردُّ يا سيد رشدي على هذا التصور بعبارة محكمة لا تقبل التأويل: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).
الصلاة، كما يقدمها القرآن، منظومة سلوكية وروحية متكاملة، جوهرها إقامة الصلة بالله والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وليست طقوسًا ميكانيكية مفصولة عن القيم، ومع ذلك فقد تعلمتها البشرية من الفعل المتواتر عمليًا من الأنبياء جميًعا وليس فحسب من خاتم المرسلين، حيث تحدث القرآن عن صلاتهم.
ولم يترك القرآن الكريم شيء؛ حيث عندما طرأ أمر غير متوارث عمليًا مثل الصلاة وقت الحرب، فصّل القرآن كيفيتها.
الأخطر في خطاب السيد رشدي أنه يعيد تعريف الوحي ذاته، فيساوي بين الوحي الإلهي وما يمكن تسميته قرآنيًا بـ"الوحي الشيطاني"، ولنسمّي هنا الأمورَ بمسمياتها كما وردت بالقرآن الكريم.
يقرر القرآن أن الوحي ليس حكرًا على الله من حيث التأثير، وإنما من حيث المصدر والحق. يقول تعالى: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ)
ويقول أيضًا: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
إذن يضعنا القرآن أمام نوعين من الخطاب (خطاب إلهي حق، وخطاب مُزخرَف مُضلِّل)، وهذا الآخر (المُزخرَف المُضلِّل) يتكئُ على البلاغة والعاطفة والتقديس الاجتماعي.
من الضروري والحيوي والمصيري أن نفهم ويفهم النَّاسُ -وخاصة الملايين المخدوعين بخلط السيد عبدالله رشدي- مفهوم "لهو الحديث" باعتباره كل خطاب ديني يصرف الناس عن "أحسن الحديث"؛ حيث يقول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا)
لا يتحدث القرآن عن لهو ترفيهي بريء، وإنَّما عن خطاب ديني بديل، يُقدَّم في صورة القداسَة، ويُستثمر لصرف النَّاس عن الكتاب المُحكَم، ولهذا يأتي التحذير القرآني حادًا، لأن القضية تمسُّ صميمَ التوحيد.
يصبح الإيمان من هذا المنطلق، بـ"الحديث الشيطاني" كفرًا عمليًا بالقرآن، لأنه يزاحمه في مقام المرجعية، ويقاسمه حق الإلزام، ويحوّل الدين إلى منظومة مزدوجة المصدر، بينما القرآن يحسم الأمر بقوله: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا)، ودلالة الآية عميقة؛ فالفصل والتفصيل يحسمان الحاجة لأي ملحق تشريعي.
أما الدعوة إلى مجادلة هؤلاء، فإن القرآن ذاته ينهى عنها، لأن الجدل مع من جعل لهو الحديث دينًا يتحول إلى استنزاف أخلاقي وعقلي؛ يقول تعالى: (وَإِن جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ)، ويقول أيضًا: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ).
يعني كشف الحقيقة إظهار الميزان، وترك الاختيار للضمير، ولا يعني أننا نجادلُ السيد رشدي؛ فالقرآن لا يحتاج إلى مدافعين يساومون على صفائه.
إذن –وعطفًا على السؤال الدقيق الذي طرحه السيد حسام بدراوي- فالإسلام اكتمل بالقرآن، والوحي حُسم بنص محفوظ، وأي محاولة لإدخال روايات بشرية في دائرة الإيمان هي اتهام ضمني لله جل جلاله بعدم الإحكام، واتهام للرسول عليه السلام بعدم البلاغ.
الاختيار في النهاية بين مرجعيتين؛ مرجعية الله وحده، أو مرجعية بشرية أُلبست ثوب القداسة.
لن يقف أحدٌ يومَ الحساب، يا سيد رشدي بين الإنسان وربِّه؛ لن يتقدم "البخاري" ولا "مسلم" ولا غيرهما للدفاع عن أحد، الحكم يومئذ لله وحده، والكتاب حاضر، والحجة قائمة، والاختيار الذي تمَّ في الدنيا سيظهر أثرُه كاملًا في الآخرة.