اهم الاخبار
الثلاثاء 29 نوفمبر 2022
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

بأقلامهم

أحمد حساني يكتب: خريطة جديدة لأوكرانيا بريشة بوتين

الوكالة نيوز

العالم يشهد أيام فارقة في تاريخه، إنها لحظة ميلاد قطب آخر يناوئ القطب الأمريكي الذي ساد لمدة ثلاثة عقود، ما بعد أوكرانيا ليس كما قبلها. الرجاء ربط الاحزمة.

العالم لن ينعود إلي الوراء وسكان أقاليم دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا أصبحوا مواطنيين روس إلي الأبد، فهذا أمر غير مطروح علي طاولة النقاش مع كييف والغرب.

هكذا تحدث القيصر الروسي باعث الإمبراطورية السوفيتية من علي عرشه، حقق القيصر ما وعد به شعبه، وأعاد لروسيا الأم 20% من أوكرانيا، أربع أقاليم جديدة في شرق أوكرانيا تتنضم إلي جمهورية روسيا الاتحادية، إضافة إلي إقليمين عام 2014 ليصبح الشرق والجنوب الأوكراني في حضن الوطن الروسي الأم. هذا الإعلان غيَّر خريطتي روسيا الاتحادية لتكبر وأوكرانيا لتصغر.!

كانت البراعة دائما جزءا من صورة سيد الكرملين بدأت حين زجر رياح التفكك وأبعدها عن الاتحاد الروسي، ظهر ذلك جليا عندما استطاع أن يقنع الغرب وأمريكا بأنه جزء لا يتجزأ من  العلاقات والقوة الدولية، وأنه قطب يصعب كسره، وأنه جعل العالم شاهدا علي تشكيل نظام عالمي جديد بعدة أقطاب.

ألقي القيصر الروسي خطابا عاطفيا ووطنيا من الطراز الأول، واستغل أن العالم يشاهد ويتابع، حتي انهال علي أمريكا والغرب وفضح أجنداتهم من كل اتجاه دون مواربة أو تجميل وقال الحقيقة التي لايريد سماعها الغرب بهذه الطريقة الجريئة، وقال أن أحارب الطغاة نيابة عن العالم، وأنه لا يروق لأمريكا وجود دولة قوية لا تقبل املائتها، أو تكون غنية وقوية تهدد هيمنتها علي العالم.

وتحدث في خطابه عن خدعة الديمقراطية الغربية وأنها تستغل الشعوب بشعارات زائفة لتحقيق مصالح نخبة محدودة، فهم يدعون حرية الشعوب وهم في نفس الوقت يستعبدونهم، وقال أن الغرب بدلا من نشر الحرية نشر العبودية، وأن الديمقراطية الغربية لم تؤدي إلا انتخاب أنظمة استبدادية مثل أمريكا الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت السلاح النووي مرتين، وارتكبت فظائع غير مسبوقة في فيتنام وأفغانستان والعراق.

اعتمد بوتين في خطابه علي لهجة المبارزة مع الغرب، ووجه خطابه إلي شعوب تلك الدولة، متهما ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، بأنهم دول محتلة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا استثمار من بوتين يدل علي البراعة والحنكة السياسية، خصوصا في حالة غضب الشعوب التي منيت بها قادة وحكومات تلك الدول في الآونة الأخيرة.

وأن القواعد الأمريكية العسكرية في هذه الدول من بعد الحرب العالمية الثانية هي مسار غضب الشعوب، وبالتالي حان الوقت أن روسيا تقود حركة شعبية في هاتين الدولتين لتخلص من تلك القواعد التي تشكل خطر كبير علي تلك الدول قبل روسيا. بوتين لا يتراجع فهل يركع الغرب!

وفي الوقت الذي توقع فيه العالم أن بوتين سيتحدث عن السلاح النووي، أو أن يعرض مبادرة علي أوروبا وأمريكا، نقل بوتين الحديث عن الكارثة التي تكلم عنها عشرات المفكرين والسياسين حول العالم، وكانت سبب في فوز اليمين القومي في إيطاليا منذ أيام، وهي محاولة هدم قيم الأسرة السوية في المجتمع ونشر المثلية وتقديمهم كقدوة ونموذج في المجتمع كما تفعل أمريكا اليوم، وقال إنهم يدمرون القيم الدينية في إشارة إلي "نتفليكس وديزني ومنصة أمازون"!

تتصرف روسيا وكأن ما كتب قد كتب، وأن علي العالم أن يسلم بالحقائق الجديدة، وأن الزعيم الروسي جاء من الركام السوفيتي ليثأر. وأنه لا يملك رفاهية التراجع عما أقدم عليه، وإجراء الاستفتاء في ظل الوجود العسكري الروسي لا يترك للغرب أي فرصة لقبول نتائجه.

إعادة ترسيم حدود الإمبراطوريات ورسم خرائط وتغيير هوية الشعوب بجرة قلم تعبير مقلق ومخيف، وتجارب التاريخ صريحة الترسيم لا يتم إلا بالدم وطحن دول وتبديد ميزانيات هائلة مع ما يرافقه من أنهار من الدم وأمواج من اللاجئين والمفقودين. وسيشهد العالم بحر من الحريات والكراهيات.

صار المخطط الروسي كما أريد له وفي وقت قياسي، استفتاء في مناطق لها كل منها أهميتها الاستراتيجية لربطها بالقرم وما بعدها من أهداف.

أولي هذه المناطق خيرسون وهي مدينة ساحلية ذات طبيعة استراتيجية تضاهي شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا عام 2014.

تحتوي علي أكبر ميناء لبناء السفن في البحر الأسود، وتعتبر مركز رئيسي للشحن وتصدير المنتجات، وكانت مركزا لبناء السفن خلال القرن العشرين.

أما زابوريجيا تعتبر سادس أكبر المدن الأوكرانية وبها أكبر محطة نووية في أوروبا، وبها مركز للصناعات الثقيلة والمعادن والسيارات، ويوجد بها ميناء مهم علي نهر دينبرو.

أما دونيتسك خامس أكبر المدن الأوكرانية، وبها أكبر مناجم الفحم الحجري والحديد والصلب، ويوجد بها ميناء ماريوبول علي بحر آزوف.

رابع المناطق المنضمة لروسيا هي لوجانسك وتشتهر بالصناعات الهندسية والكيميائية ومناجم الفحم، كما تضم مصفاة ضخمة لتكرير النفط، كذلك أن معظم أراضيها صالحة للزراعة وتعد الحبوب من محاصيلها الرئيسية.

وأخيرا تستحق الخريطة الأوكرانية وداعا لائقا، كانت الجراحة قاسية وباهظة وفظة، علي مَرْأَى ومسمع من الجميع. إنه القدر الجغرافي المحتوم الذي جعل أوكرانيا بين أنياب الدب الروسي..!