اهم الاخبار
الأحد 22 فبراير 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

الفن

اسبانيا تواجه انتشار الدراما التركية بنسخة مقتبسة من المسلسل التركي "فاطمة جول" بعد هوس الجماهير به

141
141

كتبت : داليا محمد

بعد عرض مسلسل "ما ذنب فاطمة جول" في اسبانيا بشهر يناير العام الماضي و اصبح العمل ظاهرة منتشرة بين جمهور الدراما في اسبانيا، و فتح الباب لعديد من المسلسلات التركية للعرض هناك بل و اصحبتالجماهير الاسبانية مهووسة بالدراما التركية ما أُطلق عليه "حمى التركية"، حيث تم عرض 7 مسلسلات تركية حتى الآن على الشاشات الاسبانيية و حقق جمعيهم نجاحاً ملحوظاً  منهم "العشق الاسود" و "ايزل" و "سيلا" و "حب أعمى"، و في انتظار ستة مسلسلات اخرى تم شراء حقوق عرضهم و سيبدأ العرض قريباً على شاشات القنوات الاسبانية.

و ذلك بعدما حققه مسلسل فاطمة من نجاح ساحق، حيث حصلت الحلقة الاولى منه فقط على نسبة مشاهدة تجاوزت الـ700 الف مشاهدة، بل و تفوق على جميع الأعمال الاسانية المعروضة معه في نفس الفترة، و الأهم أن المسلسل حصل على لقب الأعلى مشاهدة في تاريخ القناة العارضة له.

و لمواجهة هذه الحمى التركية التي جعلت الجماهير الاسبانية تنصرف عن متابعة الدراما الاسبانية و في محاولة لاعادة الأمور إلى نصابها لاقبال الجماهير على الدراما الاسبانية مرة أخرى و أعادتها إلى صدارة المشاهدة المحلية ، بدأت  قناة أتريسميديا الاسبانية التفاوض مع قناة كانال دي انترناشيونال التركية و المشاركة في انتاج مسلسل "فاطمة" و المسؤولة عن توزيعه لشراء حقوق اقتباس القصة لتقديم نسخة اسبانية من العمل التركي الناجح، و يعكف حالياً فريق عمل على كتابة السيناريو الخاص بالنسخة الجديدة، و تم التأكيد على أن النسخة المقتبسة ستبدأ بنفس بداية الدراما الأصلية ، و لكن سيتم تناول القضية بشكل مختلف نوعًا ما يتناسب مع العادات و التقاليد الاسبانية بشكل اكبر.

 و بالفعل بالرغم من وجود خدد كبير من المسلسلات التركية الرائعة التي لا تُنسى إلا أن مسلسل "فاطمة" سيبقى و يظل هو الأقوى دائماً و الأفضل على الاطلاق مهما قدمت الدراما التركية من أعمال رائعة و قيمة لم و لن يصل أي مسلسل تركي آخر إلى هذا المستوى العالي من الدقة و الاحترافية التي تم تقديم مسلسل "ما ذنب فاطمة جول ؟" به، فهو يحلق بعيداً عن السرب و منفرداً في سماء الابداع الفني اللامتناهي و سيظل هذا العمل علامة فارقة في تاريخ الدراما التركية للأبد، و سيحتفظ بقوة تأثيره مهما مرت عليه السنوات و سيراه المشاهدين اينما عُرض و مهما عُرض، بالرغم من طول عدد حلقاته الذي وصل إلى 80 حلقة بالنسخة التركية الأصلية و التي تصل مدة الحلقة الواحدة بها لأكثر من ساعاتان، و 190 حلقة مدبلجة للغة العربية باللهجة السورية، إلا ان المسلسل لا يحتوى على أي مط او تطويل  لمجرد الحشو كعادة المسلسلات التركية، و لا يوجد خطوط فرعية مشتقة من القصة الاساسية لمليء فراغ الحلقات و لكن كان التركيز منصب بشكل احترافي على الشخصيات الرئيسية دون خلل و التركيز على ما اصاب نفسية جميع من ارتبطوا بالحادث المجنى عليها فاطمة و المغتصبون الاربعة، فكل مشهد و كل جملة في العمل لها أهمية قصوى و لا يمكن الاستغناء عنها لما تؤسس له في بناء الشخصيات و التعمق في بواطن نفوسهم لمعالجة القضية الاساسية التي يناقشها العمل و هي قضية الاغتصاب، و السبب في حدوثها و توابعها.

و بالطبع قد يختلف معي البعض الذين هاجموا المسلسل  بشدة و أكدوا أنه لا يمكن لامرأة ان تقع في حب من شارك في حادث اغتصابها، و لكنهم نسيوا تماماً أن هذا العمل مأخوذ من واقعة حقيقية حدثت في السبيعنيات، بما يعني أن المسلسل ليس بخيال علمي أو غير واقعي.

كما انهم لم تضح لهم الرسالة الاساسية و الأهم للعمل و هي التأقلم على كل شيء و ان الحزن هو الشيء الوحيد في هذا العالم الذي يُولد كبيراً ثم يصغر بمرور الوقت  حتى يتلاشى نهائياً.

فإذا أوقف كل انسان حياته على كارثة حدثت له، لن تستمر الحياة، و ستكف الأرض عن دورانها.

ليس فقط شعور الاطمئنان هو ما يولّد الحب، فالخوف أحيانًا كذلك يجعلنا نحب من لا نريد أن نحبهم، تلك هي قصة الحب بين فاطمة و كريم، فبعد الحادث اصبحت فاطمة خائفة من مواجهة الجميع الذين يرونها مذنبة و ليست مجني عليها، امرأة ساقطة و ليست مغتصبة، فماذا لها أن تفعل سوى قبولها بالزواج بهذا الرجل الذي شارك في حدوث الجريمة بصمته و ندالته، تزوجته من خوفها و ضعفها و قلة حيلتها ليس لأنها تريده شريكًا لحياتها بقية العمر، لكنه أصبح كذلك، بكل بساطة نحن البشر لدينا قدرة فظيعة على التأقلم مع الحزن والخوف، ربما هي نعمة من الله تلهمنا الصبر لكي نعيش هذا الدهر بحلوه و مره، بالخوف الصارخ في أنفسنا، بالحب الكامن بين أضلعنا، استطعنا أن نعيش في الحياة بطريقة تختلف عن كل المجتمعات المتحضرة، لقد وجدنا صيغة معينة تمكننا من العيش مع الكره باعتباره حبًا، و مع الألم وكأنه شعورٌ بالسعادة لا ينتهي، تأقلمت فاطمة و فكرت في البداية الاستمرار مع كريم لأنه الوحيد الذي لا يمكنه جرحها بتذكرتها بالحادث و لأنه الوحيد الذي سيقبلها كما هي، بعدما رفضها من احبت و ظنت انه لن يتركها، ان حبها هذا ليس حباً لكريم و ليس تقبل له أنما حباً لظروفها الجديدة و تقبل لها، فضلاً عن احساسه بالذنب و شعور الندم الذي حمله عبئاً على نفسه بعد الحادثة، فقد شعرت بآلامه و صدق مشاعره و توبته، فغفرت ليس من أجله هو فقط بل من أجل نفسها، فلم تتحسن حالتها النفسية إلا بعدما غفرت و سامحت، فالعفو و المغفرة  ليسوا دواء لداء المذنب فقط، بل هما كذلك ايضاً للمجني عليه، حتى تنعم روحه بالسلام الداخلي و يتخلص من حقده و كرهه الذي قد يقتله أو يجعله يرتكب جريمة.

و بعيداً عن منطقية الأحداث أو عدم منطقيتها فنحن ايضاً أمام تحفة فنية بكل المقاييس ، من حيث الاخراج و التصوير و الحبكة الدرامية و السيناريو المتقن و الأداء المبهر لكل ابطال العمل خاصة بيرين سات و انجين اكيوريك.

حيث تقمصت بيرين سات شخصية فاطمة ببراعة لامتناهية و استطاعت أن تمسح من ذاكرة جمهورها صورة المرأة الخائنة الشريرة التي قدمتها في مسلسل "العشق الممنوع"، و شعر الجمهور انه يراها لأول مرة، و استطاعت ابراز تفاصيل  معانتها النفسية و تدرجها في معاملة كريم من  القسوة إلى اللين و الاستجابة و أخيراً الحب الكبير.

أما انجين اكيوريك فقد فاق مرحلة التقمص و وصل إلى مرحلة الابداع و قد يكون فاقها هي الأخرى حيث انه اخترق شخصية كريم بذاته و لم يتقمصها فقط، فاستطاع بكل حرية، أن يشحن شخصية كريم التي أداها بطاقة المعاني و الدلالات والإيحاءات التي يريدها، فكل ما جرى على لسان شخصية كريم وما توحي به في المسلسل من معاناة نفسية بسبب طفولته البائسة و الحادث الذي ارتكبه و صدمته في اصدقائه، بكل نظرة و كلمة و حركة جسدية عاشها انجين اكيوريك تحت مظلة الإنفعال الفني الذي تميز به موهبة هذا الممثل العبقري، ما جعله ازاح الشخصية الفنية التي كتبها المؤلف في النص و حاولت المخرجة ابرازها ليقتحمها هو بشخصيته الأصلية، بلحمه و دمه و روحه و كامل عواطفه و بحضور طاغي غير المسبوق، فهو لم ينقل الشخصية التي كُتبت على الأوراق البيضاء و التي صاغها المؤلف بل ارتدى روحها و اعاد تشكيلها في داخله ثم خرج بها للجمهور ليبهرهم بها لتصبح شخصية كريم هي الشخصية الأفضل في تاريخ الدراما التركية حتى الأن.

إن كريم لم يحاول تبرير خطأه، بل  اعترف به أمام نفسه بشجاعة  و واجه ما مر به من صراعات كثيرة و ظل لفترة ينبذ نفسه و يلومها على ما فعلت، ينصت لصوت ضميره القاسي و يُحَمل نفسه الذنب بأكمله، لم يهرب من المسؤولية و حاول تصحيح خطأه و تدارك ما فعل و لو قليلاً بكل ما أوتي من قوة و صبر في محاولة لا شعورية لتهدئة الصراع الملتهب في داخل منظومته النفسية لكي يرتاح و لكنه لم يغفر لنفسه إلا بعدما غفرت فاطمة له.

العمل مأخوذ عن رواية بنفس الاسم و سبق و تم تقديمه في فيلم بنفس الاسم ايضاً مدته ساعة و عشرون دقيقة و حقق الفيلم نجاحاً كبيراً، إلا أنه لا يذكر مقارنة بنجاح المسلسل الساحق و الشهرة التي نالها، عمل مميز و رائع بالفعل لن يتكرر، مسلسل "ما ذنب فاطمة جول" عمل ناضج ناجح يكمن سر نجاحه باهتمامه  بتفاصيل التفاصيل و هذا ما جعله يكون تحفة فنية قيمتها اكثر من مجرد مسلسل.