من أروقة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة.. أحلام صغيرة ترسم ملامح قادة الغد في الإمارات
رحلة اختيار أعضاء برلمان الطفل الإماراتي مفعمة بالأمل .. جيل يحمل أحلام الوطن ويمتلك روح وطموح لغد مشرق || ليسوا أطفالاً عاديين
لم تكن جولتي في أروقة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة في دولة الإمارات العربية المتحدة مجرد زيارة صحفية لرصد مقابلات شخصية لاختيار أعضاء برلمان الطفل الإماراتي، انما كانت رحلة إلى عالم تتشكل فيه ملامح المستقبل، وتتكشف خلف الوجوه الصغيرة أحلام كبيرة، وإرادة مبكرة لصناعة الغد، وإيمان راسخ بأن الوطن الذي يمنح أبناءه فرصة التعبير عن أنفسهم، إنما يضع ثقته في جيل يستعد لحمل راية المستقبل.

منذ اللحظة الأولى، بدا المشهد مختلفاً عن الصورة التقليدية التي قد يتخيلها البعض عن مقابلات الاختيار لم تكن هناك رهبة تسيطر على المكان، ولا أجواء مشحونة بالتوتر والترقب، بقدر ما كانت هناك حركة منظمة، واستعداد دقيق، ووجوه صغيرة تحمل في عيونها فضول التجربة، وفي كلماتها شغف المشاركة، وفي أحلامها ما يتجاوز أعمارها بسنوات.
على البوابة الرئيسية للمجلس، بدأت ملامح المشهد تتكشف حركة لا تهدأ، وفرق تعمل بتناغم واضح، واستقبال منظم للمرشحين ومرافقيهم، وكل فرد يعرف دوره بدقة، ويؤديه بهدوء بعيداً عن الضجيج والاستعراض شعرت، وأنا أتنقل بين أروقة المجلس، بأنني أمام خلية نحل حقيقية، يعمل أفرادها بروح الفريق الواحد، لإعداد تجربة استثنائية للأطفال، لا تختبر قدراتهم فحسب، انما تساعدهم أيضاً على اكتشاف أنفسهم والإيمان بما يستطيعون تحقيقه.

كان الهدف أكبر من اختيار أسماء لعضوية برلمان الطفل؛ فالتجربة، في جوهرها، محاولة مبكرة لبناء شخصية قادرة على الحوار، والتعبير عن الرأي، والاستماع إلى الآخرين، وتحمل المسؤولية.
في لقاءاتي مع الأطفال المرشحين، وجدت نفسي أمام حكايات تستحق أن تُروى، وأحلام تتنوع بتنوع الشخصيات، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: الرغبة في أن يكون لكل منهم دور مؤثر في المستقبل.
طفل يحلم بأن يصبح عالم فضاء، وكأنه يرى في السماء بداية الطريق لا نهايته وآخر يخطط لأن يكون رجل أعمال، يحمل تصوراً مبكراً عن النجاح وصناعة الفرص وثالث يتطلع إلى أن يصبح طبيباً جراحاً، بينما اختار طفل آخر أن يتخصص في جراحة القلب، في صورة تعكس كيف تتسلل الرغبة في إنقاذ الحياة إلى أحلام الصغار قبل أن يختبروا تفاصيل المهنة نفسها.

لكن أكثر ما لفت انتباهي أن بعض الأحلام لم تكن مرتبطة بمستقبل مهني أو مكانة اجتماعية فحسب، بل كانت مشدودة إلى معنى أعمق: خدمة الوطن.
بين المرشحين، برزت أحلام عسكرية تعبّر عن اعتزاز واضح بالهوية الوطنية طفلة تتطلع إلى أن تصبح طيارة عسكرية، لتخدم الإمارات وتلتحق بصفوف قواتها المسلحة، مستلهمة من أبناء الوطن الذين يحمون أرضه ويصونون أمنه وطفل آخر يحلم بأن يصبح قائداً عسكرياً بحرياً، متأثراً بجده الذي ارتبطت به أحلامه وتطلعاته.

في تلك اللحظات، لم تكن الكلمات مجرد إجابات يقدمها أطفال أمام لجنة مقابلات؛ كانت تعبيراً عن بذور انتماء تتشكل مبكراً، وعن رغبة في رد الجميل لوطن يمنح أبناءه فرص التعلم والنمو وتحقيق الأحلام.
ووسط هذه الحكايات، أدركت أن قيمة التجربة لا تكمن في الوصول إلى مقعد داخل البرلمان وحده، لكنها في المساحة التي تمنحها للأطفال ليقولوا: لدينا أفكار، ولدينا طموحات، ونريد أن نشارك في صناعة المستقبل.

خلف هذه المشاهد الإنسانية، تقف عملية منظمة لاختيار أعضاء برلمان الطفل الإماراتي، تبدأ من إتاحة الفرصة أمام الأطفال للتقدم، ثم الانتقال إلى مراحل التصفية والمقابلات الشخصية.
وبحسب المعلومات التي اطلعت عليها خلال الجولة، بلغ عدد المتقدمين 2350 طالباً وطالبة، قبل أن تصل عملية الاختيار إلى مرحلة تضم 140 طفلاً يخوضون المقابلات الشخصية، تمهيداً لاختيار من سيمثلون أقرانهم تحت قبة برلمان الطفل.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الاهتمام الذي يمكن أن تحظى به تجربة تفتح أمام الأطفال باب المشاركة، وتمنحهم فرصة الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع صاحب الرأي والمبادرة.
فالمطلوب ليس مجرد طفل متفوق دراسياً، ولا صاحب إجابة محفوظة أو خطاب منمق؛ بل شخصية تمتلك القدرة على التعبير عن أفكارها، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والتفاعل مع الآخرين، وإدراك معنى أن تكون ممثلاً لأقرانك، لا متحدثاً باسم نفسك فقط.

ومن هنا، تبدو المقابلة الشخصية أكثر من مجرد اختبار عابر؛ إنها فرصة للتعرف إلى شخصية الطفل، واستكشاف قدراته، ورصد استعداده لخوض تجربة تقوم على الحوار والمسؤولية والعمل الجماعي.
في قلب هذه العملية، تجري المقابلات بإشراف سعادة الريم عبد الله الفلاسي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمومة والطفولة، بمشاركة عضوي المجلس الوطني الاتحادي سعادة محمد الكاشف وسعادة حشيمة العفاري .

ويحمل وجود هذه الخبرات في لجان المقابلات دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي؛ إذ يلتقي الأطفال، في تجربة مبكرة، مع نماذج من العمل العام، ويختبرون بأنفسهم معنى الحوار المنظم، وأهمية عرض الأفكار بوضوح، وقيمة أن يجد الإنسان من يستمع إليه باهتمام واحترام.
وخلال الجولة، بدا الاهتمام واضحاً بتهيئة الأطفال نفسياً قبل المقابلات، وتوفير أجواء تساعدهم على التخلص من رهبة الموقف، وتشجعهم على الحديث بطبيعتهم، وإظهار أفضل ما لديهم من قدرات.
فبدلاً من أن تتحول المقابلة إلى لحظة ضغط، يجري التعامل معها باعتبارها تجربة للتعلم واكتساب الثقة. والرسالة هنا مهمة: ليس المطلوب أن يبدو الطفل أكبر من عمره، أو أن يتحدث بلغة الكبار، وإنما أن يعبر عن نفسه بصدق، وأن يقدم أفكاره بطريقته، وأن يدرك أن الاختلاف في الرأي لا ينتقص من قيمة صاحبه.

وهذه، في تقديري، إحدى أهم ثمار التجربة؛ أن يتعلم الطفل أن الثقة لا تعني غياب الخوف، بل القدرة على خوض التجربة رغم رهبتها، وأن القيادة ليست صوتاً مرتفعاً، وإنما فكرة واضحة، ومسؤولية، واحترام للآخرين.
لم يتوقف التنظيم عند أبواب المقابلات أو آليات استقبال المرشحين. فقد امتدت العناية إلى التفاصيل التي تجعل وجود الأطفال في المجلس تجربة مريحة ومتوازنة، من توفير أجواء مناسبة لهم، ومساحات للترفيه والألعاب، ووجبات ومأكولات، إلى إتاحة فرص للتفاعل والتعبير عن تجاربهم أمام الكاميرا من خلال لقاءات تلفزيونية.
وبين حركة الفرق العاملة، وترتيبات الاستقبال، وتنظيم انتقال الأطفال بين المراحل، بدا أن هناك إدراكاً لأهمية الجانب النفسي والإنساني في مثل هذه التجارب. فالطفل الذي يدخل مكاناً جديداً، ويجلس أمام لجنة تضم شخصيات عامة، يحتاج إلى ما هو أكثر من التعليمات؛ يحتاج إلى شعور بالأمان، وإلى بيئة تشجعه على أن يكون على طبيعته.

وفي أروقة المجلس، لم يكن كل شيء يحدث أمام الكاميرات، ولم تكن قيمة العمل في كثرة ما يقال عنه، بل في التفاصيل التي تنجز بهدوء، وفي الجهود التي تتكامل كي تمر التجربة بسلاسة، وتمنح كل طفل فرصة عادلة للتعبير عن نفسه.
ذلك النوع من العمل المؤسسي لا تصنعه لحظة واحدة، بل تصنعه منظومة تعرف ما تريد تحقيقه، وتدرك أن الاستثمار في الأطفال يبدأ من احترام احتياجاتهم، وتقدير اختلاف شخصياتهم، ومنحهم المساحة التي يستحقونها.
إن برلمان الطفل الإماراتي ليس مجرد نسخة مصغرة من مؤسسة برلمانية أكبر، لكنه مساحة تربوية ووطنية يتعلم فيها الأطفال مبكراً أن المشاركة مسؤولية، وأن التعبير عن الرأي يحتاج إلى معرفة وحوار، وأن تمثيل الآخرين يتطلب الإنصات إليهم وفهم احتياجاتهم.
فحين يتعلم الطفل كيف يعرض فكرته، وكيف يناقش فكرة مختلفة، وكيف يطرح سؤالاً ويبحث عن إجابة، فإنه يكتسب مهارات تتجاوز حدود التجربة البرلمانية إلى المدرسة والأسرة والمجتمع والحياة العامة.
والأهم أن هذه التجربة تمنحه شعوراً بأن صوته مسموع، وأن أفكاره تستحق أن تُناقش، وأن الوطن لا ينتظر من أبنائه أن يكبروا حتى يبدأوا المشاركة، بل يستطيع أن يفتح أمامهم، منذ الطفولة، مسارات مناسبة لأعمارهم واحتياجاتهم.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمبادرة: إعداد جيل يعرف أن المواطنة ليست شعاراً يرفع، انما ممارسة تبدأ بالوعي، وتترسخ بالمسؤولية، وتنمو بالمشاركة والعمل من أجل الصالح العام.
غادرت أروقة المجلس وأنا أحمل انطباعاً يتجاوز تفاصيل الجولة الصحفية. بقيت في ذهني صورة طفل يتحدث عن الفضاء، وآخر يتطلع إلى عالم الأعمال، وثالث يحلم بأن ينقذ حياة إنسان داخل غرفة العمليات، وطفلة ترى مستقبلها في قمرة قيادة طائرة عسكرية تحمي وطنها، وطفل يستلهم من جده حلماً بأن يقود سفينة عسكرية.
تختلف الطرق التي يرسمها هؤلاء الصغار لمستقبلهم، لكنهم يلتقون عند مساحة مشتركة من الأمل والطموح والرغبة في أن يكونوا أشخاصاً فاعلين في مجتمعهم.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الطفل لا يُختزل فيها في عمره الصغير، ولا يُطلب منه أن ينتظر سنوات طويلة حتى يُمنح فرصة للتعبير عن رأيه. إنه حاضر بأفكاره، ومشارك بطموحه، ومرشح لأن يتعلم من التجربة، سواء انتهى به الطريق إلى عضوية البرلمان أم عاد منها بخبرة جديدة وثقة أكبر في نفسه.
فليست كل المكاسب مقاعد تُمنح، وليست كل النجاحات أسماء تُعلن؛ أحياناً يكون النجاح الحقيقي في طفل دخل التجربة متردداً، ثم خرج منها أكثر ثقة، وفي حلم أصبح أوضح، وفي فكرة وجدت من يستمع إليها، وفي جيل بدأ يفهم أن المستقبل لا يُصنع بالانتظار، وإنما بالعمل والاستعداد والمشاركة.
من أروقة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، تبدو الرسالة واضحة: إن بناء المستقبل لا يبدأ عندما يكبر الأطفال، انما عندما نمنحهم، وهم صغار، الفرصة كي يفكروا ويحلموا ويتحدثوا ويتعلموا كيف يتحملون المسؤولية.
هناك، بين المقابلات والحوارات والوجوه المفعمة بالأمل، لا يجري اختيار أعضاء لبرلمان الطفل فحسب؛ انما تُفتح نافذة على جيل يريد أن يكون له صوت، وأن يترك بصمته، وأن يشارك في رسم ملامح الغد.
ففي الإمارات، قد تبدأ حكاية قائد من سؤال يطرحه طفل، أو فكرة يعبر عنها بثقة، أو حلم يعلنه أمام لجنة تستمع إليه وربما بعد سنوات، حين يقف أحد هؤلاء الصغار في موقع من مواقع المسؤولية، سيتذكر أن الخطوة الأولى لم تكن كبيرة في شكلها، لكنها كانت كبيرة في معناها: أن يجد من يؤمن بأن صوته يستحق أن يُسمع.