من يملك أسرار الغيب؟.. القرآن يفتح أخطر ملفات العلاقة بين الرسول والوحي
آيات حاسمة حول علم الغيب وبشرية الرسول ﷺ وحدود مهمته.. قراءة لـ علي الشرفاء تطرح أسئلة شائكة عن الغلو الديني وحرية العقل ومسؤولية الإنسان أمام الله
من يملك مفاتيح الغيب؟ وهل حسم القرآن الجدل حول حدود قدرات الرسول ﷺ؟ سؤال جرئ بطرحه المفكر العربي الكبير علي الشرفاء الحمادي في كتابه “ علم الغيب عند الرسول ” إذ يفتح الحمادي هذا الملف واحدًا من أكثر القضايا حساسية في الوعي الديني، مستندًا إلى آيات قرآنية تؤكد أن علم الغيب المطلق لله وحده، وأن الرسول ﷺ بشرٌ اصطفاه الله بالوحي، وكُلّف بالبلاغ والإنذار والبشارة. من هنا تنطلق أسئلة كبرى حول حقيقة الرسالة، وحدود المسؤولية الدينية، وخطورة الغلو في قدرات البشر، واستغلال الخوف من المجهول للتأثير في العقول. إنها قراءة تضع النص القرآني في قلب النقاش، وتدعو إلى التمييز بين تعظيم الرسول والإيمان برسالته، وبين تجاوز حدود البشرية، لتعيد تسليط الضوء على التوحيد والوعي والمسؤولية الفردية أمام الله.

بيّن القرآن الكريم بوضوح أن علم الغيب المطلق من اختصاص الله وحده، وأن الرسول ﷺ بشرٌ رسول، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، ولا يعلم الغيب من تلقاء نفسه. وقد كانت مهمته الأساسية تبليغ رسالة الله، والإنذار والبشارة، وبيان طريق الحق والباطل، دون أن يكون وكيلاً على الناس أو مسؤولًا عن إيمانهم وعباداتهم. ويؤكد القرآن بشرية الرسول وخضوعه لسنن الحياة والموت وما يطرأ على البشر من أحوال، لتبقى العلاقة بين الإنسان وربه قائمة على الإيمان والاختيار والمسؤولية، بعيدًا عن الغلو في قدرات الرسل

عِلْمُ الغَيْب عِندَ الرَّسُولِ
يبيّن اللهُ للناسِ ويعرّفهم في القرآن الكريم أنَّ الرسولَ عليه السلامُ ليس لديهِ علم الغيبِ، حيث يؤكّد اللهُ -سبحانه- تلكَ الحقيقةَ حتى لا يضلّ المسلمونَ طريقَ الحقِّ ويتّبعوا طريقَ الباطل، في قوله -سبحانه- مخاطباً رسولَه الكريمَ: (قُل لا أَملِكُ لِنَفسي نَفعًا وَلا ضَرًّا إِلّا ما شاءَ اللَّـهُ وَلَو كُنتُ أَعلَمُ الغَيبَ لَاستَكثَرتُ مِنَ الخَيرِ وَما مَسَّنِيَ السّوءُ إِن أَنا إِلّا نَذيرٌ وَبَشيرٌ لِقَومٍ يُؤمِنونَ) (الأعراف: 188).
كما أنّ الله -سبحانه- يخاطبُ رسولَه -عليه السّلام- بأنْ يبيّن للناسِ عدمَ قدرته على معرفة الغيب في قوله: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّـهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل: 65)،
وقال -سبحانه- مخاطباً رسولَه الكريمَ بقوله: (قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُم يوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلـهُكُم إِلـهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) (الكهف: 110).
فالرسول عليه السلام وهو مَن خَلَقَه اللهُ من أبناء آدم من البشر تسري عليه كلُّ القوانين الإلهية التي تسري على الناس، من حياةٍ أو موتٍ وما يصيب الإنسانَ من سعادةِ ومن حزنِ من خيرِ ومن شرِ، وما يوجهه الإنسان من عدوان، وما يحقّقه الله له من نصر على الطغيان، وتاريخ الرسول عليه السلام حافلٌ بتبدّل الأحوال: من انتصارات وهزائم وأفراح وأحزان؛ لأنّه كما وصفه الله -سبحانه- بشرٌ يُوحى إليه، وتأكيداً لانطباق القوانين الإلهية قوله سبحانه مبلّغاً رسوله عليه السلام: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) (الزمر: 30).
كذلك آمرا الله رسوله الكريم بأن الله لم يكلفه بأن يكون وكيلا عن الله على الناس في الأرض بقوله سبحانه: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) (الأنعام: 66)، فمن كذّب بآيات اللهِ وكتابِه الحكيم وهو الحقّ قل لهم يا محمّد أنت لستَ عليهم بوكيل، فالله يحكم عليهم كما يشاء ومتى يشاء، ولم يتخذِ الله على الناس في الدنيا وكيلاً ولم يكلف الله رسوله رقيبا على شعائر صلواتهم وعباداتهم.
وتأكيداً على بشرية الرسول عليه السلام يأمره الله أن يبيّن للناس قول الله: (قُل سُبحانَ رَبّي هَل كُنتُ إِلّا بَشَرًا رَسولًا) (الإسراء: 93).
وتأكيداً للمَهمّة المكلّف بهـــــا رسول الله من ربه لينـــــــذرَ الذين يعرضون عن كتابه، وشرعته، ومنهاجه، من يومٍ تقشعرّ له الأبدان مخاطباً -رسولَه عليه السلام- بقوله: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلَّا اللَّـهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (ص: 65).
وتأكيداً للتعريف بقدرات الرسول للناس، يأمرُه اللهُ -سبحانه- بأن يبيّن لهم مسؤوليته تجاه رسالة الإسلام ليبلّغها للناس بقوله: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) (الجن: 21).
فقد أرسله اللهُ ليبلّغ الناسَ دين الإسلام ورسالة الخير والسلام؛ ليبيّن لهم طريقَ الحقِ وطريقَ الباطلِ، ولتكون كلمةُ اللهِ للناس نوراً وضياءً؛ لتنيرَ لهم ظلماتِ الحياة وتهديهم الى طريق الحق المستقيم، حتى إذا حان يوم الحساب يجد المؤمنُ بكتاب الله النورَ الإلهيَّ؛ يقوده الى جنات النعيم، ومن ارتضى أن يعيش في الظلمات، ويهجرَ كلماتِ اللهِ في القرآن؛ فسيقوده الشيطان إلى نار الجحيم.
بَشَرِيَّةُ الرَّسُولِ وَحَصْرُ عِلْمِ الغَيْبِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ
يُقيمُ القرآنُ الكريمُ بناءَه العقديَّ على التوحيدِ الخالصِ للهِ سبحانه، ويجعلُ من أخطرِ أبوابِ الانحرافِ في الوعي الدينيِّ أن تُنسَبَ إلى البشرِ صفاتٌ اختصَّ اللهُ بها نفسَه، أو أن يُرفَعَ الأنبياءُ والرُّسلُ فوقَ حدودِ البشريَّةِ التي أكَّدها القرآنُ تأكيدًا متكرِّرًا واضحًا لا لَبسَ فيه، ولذلك جاءت آياتُ القرآنِ حاسمةً في بيانِ حقيقةِ الرسولِ عليه السلام، وأنَّه عبدٌ من عبادِ اللهِ، ورسولٌ مكلَّفٌ بالبلاغِ والإنذارِ والبشارةِ، أكرمه اللهُ بالوحيِ ولم يمنحْه خصائصَ الألوهيَّةِ أو القدرةَ على التصرّفِ في الغيبِ أو التحكمِ في مصائرِ الناسِ.
قالَ اللهُ -سبحانَهُ وتعالى- آمِرًا رسولَه أن يُعلنَ للناسِ هذه الحقيقةَ الكبرى: (قُل لا أَملِكُ لِنَفسي نَفعًا وَلا ضَرًّا إِلّا ما شاءَ اللَّـهُ وَلَو كُنتُ أَعلَمُ الغَيبَ لَاستَكثَرتُ مِنَ الخَيرِ وَما مَسَّنِيَ السّوءُ إِن أَنا إِلّا نَذيرٌ وَبَشيرٌ لِقَومٍ يُؤمِنونَ) (الأعراف: 188).
تأتي الآيةُ في غايةِ الوضوحِ والصرامةِ العقديَّةِ؛ إذ ينفي الرسولُ عن نفسِه القدرةَ على جلبِ النفعِ أو دفعِ الضرِّ استقلالًا، ثمَّ ينفي امتلاكَه علمَ الغيبِ نفيًا قاطعًا، وفي هذا البناءِ القرآنيِّ دلالةٌ دقيقةٌ على أنَّ مَن يعلمُ الغيبَ حقًّا لا يفوته الخيرُ ولا تمسُّه أسبابُ الخسارةِ والمفاجآتِ والآلام، بينما عاش الرسولُ عليه السلامُ الحياةَ البشريَّةَ بكلِّ ما فيها من ابتلاءاتٍ وتحولاتٍ وأحزانٍ وانتصاراتٍ وانكساراتٍ؛ ليبقى نموذجًا إنسانيًّا واقعيًّا يهتدي الناسُ به، لا صورةً أسطوريَّةً تنفصلُ عن قوانينِ الحياةِ التي خلقها اللهُ لعبادِه.
يؤكِّدُ القرآنُ المجيد هذه الحقيقةَ بقولِ اللهُ سبحانه: (قُل لّا يَعلَمُ مَن فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللَّـهُ وَما يَشعُرونَ أَيّانَ يُبعَثونَ) (النمل: 65).
فالآيةُ تُغلقُ البابَ كاملًا أمامَ تحويلِ الغيبِ إلى سلطةٍ دينيَّةٍ بيدِ البشرِ، أو جعْلِ الكهنةِ والمشعوذينَ والمتاجرينَ بالإسلام وسطاءَ بينَ الناسِ وربِّهم بادعاءِ معرفةِ المجهولِ أو الاطلاعِ على مصائرِ الخلقِ أو قراءةِ الأقدارِ.
ولذلكَ فإنَّ "مشروعَ الرحمنِ في القرآنِ لتحصيلِ سعادةِ الإنسانِ" يحرِّرُ العقلَ البشري من الخوفِ والاستعبادِ والخرافةِ، ويعيدُه إلى يقينِ التوحيدِ النقي الذي يجعلُ اللهَ وحدَه عالمَ الغيبِ والشهادةِ.
في تأكيدِ بشريَّةِ الرسولِ عليه السلامُ يقولُ اللهُ تعالى: (قُل إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثلُكُم يوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلـهُكُم إِلـهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110).
يكشفُ التأمُّلَ العميقَ في الآيةِ أنَّ محورَ التميُّزِ الوحيدِ للرسولِ هو الوحيُ، أمَّا طبيعتُه البشريَّةُ فهي ثابتةٌ قائمةٌ لا تزولُ، ولذلكَ ربطتِ الآيةُ بينَ بشريةِ الرسولِ وتوحيدِ العبادةِ والعملِ الصالحِ، لأنَّ الانحرافَ عن هذا الفهمِ يفتحُ أبوابَ التقديسِ البشريِّ والغلوِّ الذي يُفسدُ نقاءَ الرسالةِ ويُخرجُ الناسَ من نورِ القرآنِ إلى ظلماتِ التعلّقِ بالبشرِ.
في البناءِ القرآنيِّ نجدُ أنَّ اللهَ سبحانهَ كانَ يوجِّهُ الرسولَ دائمًا إلى إعلانِ حدودِ مهمَّتِه بوضوحٍ أمامَ الناسِ؛ وفي ذلك حمايةً للعقيدةِ من صناعةِ الوسائطِ الدينيَّةِ، قالَ تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَومُكَ وَهُوَ الحَقُّ قُل لَستُ عَلَيكُم بِوَكيلٍ) (الأنعام: 66).
وقالَ سبحانه: (إِنَّما أَنتَ مُنذِرٌ وَما مِن إِلـهٍ إِلَّا اللَّـهُ الواحِدُ القَهّارُ) (ص: 65.
وقالَ جلَّ وعلا: (قُل إِنّي لا أَملِكُ لَكُم ضَرًّا وَلا رَشَدًا) (الجن: 21).
ترسمُ هذه الآياتِ بوضوحٍ وظيفةَ الرسولِ في المنهاجِ القرآنيِّ: (البلاغُ، والإنذارُ، والتذكيرُ، وبيانُ الطريقِ)، أمَّا (الهدايةُ القلبيَّةُ، والحسابُ، ومصائرُ الناسِ، وعلمُ الغيبِ، والتصرُّفُ في الكونِ)؛ فهي جميعًا للهِ وحدَه.
ولهذا كانَ القرآنُ شديدَ العنايةِ بتثبيتِ معنى البشريَّةِ الكاملةِ للرسولِ عليه السلام، حتى في مواجهةِ مطالبِ المشركينَ الذين أرادوا منه خوارقَ تُخرجه من طبيعتِه الإنسانية، فقالَ سبحانهُ على لسانِه: (قُل سُبحانَ رَبّي هَل كُنتُ إِلّا بَشَرًا رَسولًا) (الإسراء: 93).
في هذا التعبيرِ القرآنيِّ إشعارٌ عظيمٌ بأنَّ الرسالةَ لا تحتاجُ إلى تحويلِ الرسولِ إلى كائنٍ فوقَ البشرِ، لأنَّ عظمةَ القرآنِ تكمنُ في قدرتِه على صناعةِ الإنسانِ المؤمنِ الحُرِّ الواعي من داخلِ الواقعِ الإنسانيِّ نفسِه.
كما يُذكِّرُ اللهُ رسولَه بحقيقةِ الموتِ التي تشملُ جميعَ البشرِ دون استثناءٍ، فيقولُ سبحانه: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) (الزمر: 30).
إذنْ الرسولُ عليه السلامُ خاضعٌ للقوانينِ الإلهيَّةِ التي تحكمُ البشرَ جميعًا، من ميلادٍ وموتٍ وابتلاءٍ وتعبٍ وحزنٍ وفرحٍ، وهذا من أعظمِ ما يؤكِّدُ إنسانيَّتَه ويجعلُ الاقتداءَ به اقتداءً ممكنًا واقعيًّا، لا تعظيمًا أسطوريًّا يُخرجُه عن طبيعةِ الإنسانِ.
لذلك تتَّضحُ قيمةُ هذا الفهمِ القرآنيِّ في "مشروعِ الرحمنِ لسعادةِ الإنسان"؛ لأنَّ المجتمعاتِ التي تبني دينَها على القرآنِ تتحرّرُ من الخرافةِ والخوفِ والاستغلالِ الدينيِّ، وتتحوّلُ علاقتُها باللهِ إلى علاقةٍ مباشرةٍ قائمةٍ على الوعيِ والمسؤوليَّةِ الفرديَّةِ والعملِ الصالحِ، أمَّا عندما يُنسَبُ علمُ الغيبِ للبشرِ، أو تُمنحُ لبعضِ الأشخاصِ سلطةٌ روحيَّةٌ فوقَ الناسِ، فإنَّ الإسلامَ يتحوَّلُ إلى منظومةِ هيمنةٍ واستغلالٍ وتقديسٍ للبشرِ، ويبتعدُ المسلمونَ عن النورِ القرآنيِّ الأوّلِ الذي أرادَ تحريرَ الإنسانِ لا استعبادَه.
لذلكَ فإنَّ المسلمَ المعاصرَ إذا عادَ إلى هذا الأصلِ القرآنيِّ العظيمِ، فإنه يُدركُ أنَّ الإيمانَ الحقَّ يقومُ على تعظيمِ اللهِ وحدَه، وأنَّ الرسولَ عليه السلامُ جاءَ ليقودَ الناسَ إلى اللهِ لا ليكونَ حجابًا بينهم وبينَ ربِّهم، وأنَّ القرآنَ أرادَ للإنسانِ أن يعيشَ حرًّا كريمًا مطمئنًّا، متوكّلًا على اللهِ وحدَه، متحرِّرًا من أوهامِ الغيبِ المصنوعِ والمتاجرةِ بعقولِ الناسِ باسمِ الدينِ.
الغيبُ يَحْمِي الرِّسَالَةَ مِنَ التَّأْلِيهِ
حينما يُقِرُّ القرآنُ الكريمُ بحقيقةٍ فاصلةٍ تتمثّلُ في أنَّ الرَّسولَ عليه السَّلامُ لا يَعلمُ الغيبَ، فإنَّه يضعُ للأمَّةِ أعظمَ قواعدِ حمايةِ العقيدةِ من الانحرافِ، ويؤسِّسُ لوعيٍ دينيٍّ نقيٍّ يبقى فيه اللهُ وحدَه مالكَ السِّرِّ والمصيرِ والمستقبلِ، ويبقى الرَّسولُ عليه السَّلامُ عبدًا مصطفى أكرمَه اللهُ بالوحيِ والرِّسالةِ والهدايةِ.
يرفعُ القرآنُ الكريمُ مقامَ الرَّسولِ بحملِ الأمانةِ الإلهيّةِ، وبالصبرِ على الأذى، وبالبلاغِ المبينِ، وبالرحمةِ بالعالمين، لا بالخوارقِ والأساطيرِ، ولذلك جاءتِ الآياتُ حاسمةً قاطعةً في تحريرِ العقيدةِ من أوهامِ التقديسِ البشريِّ الذي تسلَّلَ إلى الوعيِ الدِّينيِّ عبرَ قرونٍ طويلةٍ من الرواياتِ المتراكمةِ والغلوِّ العاطفيِّ.
قالَ اللهُ تعالى: (قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ) (الأنعام: 50).
وقالَ سبحانه: (قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 188).
تكشفُ الآيتانِ عن بناءٍ قرآنيٍّ بالغِ العمقِ؛ فاللهُ سبحانهُ ينفي عن رسولِه امتلاكَ خزائنِ القدرةِ المطلقةِ، وينفي عنه علمَ الغيبِ، وينفي عنه صفةَ الملائكيّةِ، ثمَّ يربطُ كلَّ ذلك بالوحيِ وحدَه: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)، وكأنَّ القرآنَ يعيدُ توجيهَ الأبصارِ من الانشغالِ بالأشخاصِ إلى الانشغالِ بالرسالةِ، ومن التعلُّقِ بالخوارقِ إلى التعلُّقِ بالهدايةِ.
لو تحوَّلَ الرَّسولُ في وعيِ النَّاسِ إلى كائنٍ يملكُ مفاتيحَ الغيبِ، لتعلَّقتِ القلوبُ بالشَّخصِ أكثرَ من تعلُّقِها بكتابِ اللهِ، وتحوَّلتِ العقيدةُ إلى فضاءِ انتظارٍ للخوارقِ والأساطيرِ والتنبؤاتِ، بدلًا من أن تكونَ مشروعَ وعيٍ وعملٍ،وإصلاحٍ وعمرانٍ ورحمةٍ.
إذن نرى بوضوح العلاقةُ العميقةُ بينَ هذا الفهمِ القرآنيِّ وبينَ "مشروعِ الرَّحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان"؛ لأنَّ الإنسانَ لا يبلغُ الطمأنينةَ الحقيقيّةَ وهو يعيشُ أسيرَ الخوفِ من المجهولِ، أو أسيرَ المتاجرينَ بالغيبِ، أو أسيرَ الكهانةِ الدِّينيّةِ التي تُحوِّلُ الإسلام إلى سوقٍ للرُّعبِ والهيمنةِ الروحيّةِ، وإنَّما يبلغُها عندما يعلمُ أنَّ الغيبَ للهِ وحدَه، وأنَّ علاقتَه باللهِ مباشرةٌ بلا وسطاءَ ولا سماسرةَ للعقائدِ ولا احتكارٍ للحقيقةِ الإلهيّةِ.
بَشَرِيَّةُ الرَّسُولِ تَفْتَحُ بَابَ الاقْتِدَاءِ وَالتَّحْرِير
عندما يُؤكِّدُ القرآنُ الكريمُ بشريَّةَ الرَّسولِ عليه السَّلامُ فإنَّه يفتحُ أمامَ الإنسانِ أبوابَ الاقتداءِ الواقعيِّ، ويُعيدُ تقديمَ الإسلامِ باعتبارِه مشروعًا ممكنَ التطبيقِ في حياةِ البشرِ، لا تجربةً فوقَ إنسانيّةٍ يستحيلُ الوصولُ إليها.
قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110).
وقالَ سبحانه: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) (الإسراء: 93).
في هاتينِ الآيتينِ تظهر بوضوح حكمةٌ قرآنيّةٌ دقيقةٌ؛ فالرسولُ عليه السَّلامُ بشرٌ يعيشُ قوانينَ الحياةِ التي يعيشُها الناسُ جميعًا، يفرحُ ويحزنُ، ينتصرُ ويُبتلى، يجوعُ ويتعبُ، ويصبرُ على الأذى، حتى يبقىَ المثالُ الإنسانيُّ القابلُ للاقتداءِ حيًّا في وجدانِ المؤمنين.
تاريخُ الرسولِ عليه السَّلامُ كما يعرضه القرآنُ الكريمُ حافلٌ بلحظاتِ الشدّةِ والابتلاءِ، تأكيدًا لحقيقةِ البشريّةِ التي تُبقي الرِّسالةَ في إطارِها الإنسانيِّ الواقعيِّ، ولذلك قالَ اللهُ تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) (الزمر: 30).
يريدُ القرآنَ الكريمَ للإنسانِ أن يقتدي بالرَّسولِ في أخلاقِه وصبرِه ورحمتِه وجهادِه الحضاري ونضالِه السلمي لإصلاحِ الحياةِ، لا أن يتحوّلَ الرَّسُولُ في وعيِه إلى صورةٍ أسطوريّةٍ خارِقة بعيدةٍ عن قدرةِ البشرِ على التأسّي والاقتداءِ.
لذلك تصبحُ إعادةُ تقديمِ الرَّسولِ عليه السَّلامُ وفقَ القرآنِ خطوةً محوريّةً في مشروعِ الإصلاحِ الدِّينيِّ والحضاريِّ؛ لأنَّها تُعيدُ الإنسانَ إلى مسؤوليّتِه في العملِ والبناءِ والاجتهادِ، وتُنهي ثقافةَ انتظارِ الحلولِ الخارقةِ التي أصابتِ العقلَ المسلمَ بحالةٍ طويلةٍ من الشللِ الحضاري.
حَصْرُ الْغَيْبِ فِي اللَّهِ تَحْرِيرٌ لِلْعَقْلِ مِنَ الخَوْفِ وَالِاسْتِغْلَال
عندما يحصرُ القرآنُ الكريمُ علمَ الغيبِ باللهِ وحدَه، فإنَّه يُسقطُ أعظمَ أدواتِ الاستعبادِ الدِّيني عبرَ التاريخِ؛ لأنَّ كثيرًا من القوى والجماعاتِ والمتاجرينَ بالعقائدِ بنوا نفوذَهم على ادِّعاءِ امتلاكِ الأسرارِ الخفيّةِ، ومعرفةِ المقاديرِ، واحتكارِ تفسيرِ المستقبلِ ومصائرِ البشر.
قالَ اللهُ تعالى: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) (النمل: 65).
وقالَ سبحانه: (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام: 59).
تقومُ الدَّلالةُ الحضاريّةُ العميقةُ لهذه الآياتِ على صناعةِ إنسانٍ حرٍّ يتحرّكُ في الحياةِ بعقلٍ واعٍ، يُخطِّطُ ويعملُ ويجتهدُ ويستعينُ باللهِ وحدَه، ولا يعيشُ تحتَ ابتزازِ الخوفِ، ولا يخضعُ لأوهامِ المتنبّئينَ، والكهنةِ، وصانعي الأساطيرِ والخرافات.
إذا فهمُ المسلمونَ اليومَ هذا المعنى القرآنيَّ العظيمَ، فإنَّهم يُسقطونَ ثقافةَ التعلُّقِ بالمروياتِ الغيبيّةِ التي شغلتِ العقولَ عن العملِ والعلمِ والإصلاحِ، ويُعيدونَ بناءَ وعيٍ قرآنيٍّ متوازنٍ يجعلُ الإنسانَ مسؤولًا عن واقعِه وسلوكِه ومصيرِه.
نَفْيُ عِلْمِ الغَيْبِ عَنِ الرَّسُولِ يَنْسِفُ مَنَاهِجَ التَّطَرُّفِ وَالتَّكْفِير
من أخطرِ الآثارِ الحضاريّةِ والواقعيّةِ لفهمِ القرآنِ في قضيةِ الغيبِ أنَّه يهدمُ الأساسَ الفكريَّ الذي قامت عليه جماعاتُ التطرّفِ والعنفِ والتكفيرِ عبرَ العصرِ الحديثِ، بدايةً من جماعاتِ الإسلامِ السياسيِّ التي بنتْ مشروعَها على أوهامِ "الحاكميّةِ المقدّسةِ "والخلافة الموعودةِ"، وصولًا إلى تنظيماتِ العنفِ الدمويِّ كتنظيمِ جماعة الإخوان المسلمين والقاعدة وداعشوغيرها من الجماعاتِ التي حوّلتِ المروياتِ المنسوبةَ زورًا إلى الرَّسولِ إلى وقودٍ للحروبِ والتكفيرِ وسفكِ الدماءِ.
لقد بَنَتْ تلكَ الجماعاتُ وعيَ أتباعِها على رواياتٍ تتحدّثُ عن "خلافةٍ على منهاجِ النبوّةِ"، وعن "الراياتِ السودِ"، وعن "معركةِ دابق"، وعن تنبؤاتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ زُعِمَ افتراء وكذبًا أنَّ الرَّسولَ عليه السَّلامُ أخبرَ بها تفصيلًا قبلَ وقوعِها بقرونٍ طويلةٍ، ثمَّ تحوّلت هذه الرواياتُ إلى مشاريعِ تعبئةٍ نفسيّةٍ وعقائديّةٍ تدفعُ الشبابَ إلى الاندفاعِ نحوَ العنفِ والقتلِ والتكفيرِ باعتبارِهم يُحقّقونَ "نبوءاتٍ مقدّسةً".
أمَّا القرآنُ الكريمُ فقد حسمَ هذه القضيّةَ بصورةٍ قاطعةٍ حيث أمرَ الرَّسولَ أن يُعلنَ للناسِ: (قُل لَّا أَعْلَمُ الْغَيْبَ).
وقالَ سبحانه: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) (النمل: 65).
وقالَ جلَّ شأنُه: (وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) (الأعراف: 188).
تتهاوى بهذا البيانِ القرآنيِّ الواضحِ البنيةُ الفكريّةُ التي تقومُ على تحويلِ الرِّسالةِ إلى سلسلةٍ من التنبؤاتِ السياسيّةِ والعسكريّةِ، ويتحرّرُ الإسلامُ من ثقافةِ انتظارِ "المعاركِ المقدّسةِ" "والدولِ الموعودةِ" "والنهاياتِ الدمويّةِ" التي غذَّتِ التطرّفَ طوالَ العقودِ الماضية.
الإسلامَ في القرآنِ هو مشروعُ هدايةٍ وبناءٍ ورحمةٍ وسلامٍ وعدلٍ وعمرانٍ، وليس مشروعَ مطاردةٍ لنبوءاتٍ غامضةٍ أو صناعةِ حروبٍ باسمِ المستقبلِ الغيبيِّ.
لذلك تتأكَّدُ أهميّةُ هذا الفهمِ في إنقاذِ الأجيالِ الجديدةِ من الوقوعِ في شَرَكِ الجماعاتِ المؤدلجة والطائفية التي تستثمرُ في الخوفِ والأساطيرِ والانتظارِ المهدويِّ والتعبئةِ العاطفيّةِ، بينما يعيدُ القرآنُ الإنسانَ إلى مسؤوليّتِه الحقيقيّةِ: (إصلاحُ النفسِ، وإعمارُ الأرضِ، ونشرُ العدلِ والرَّحمةِ والسَّلام).
الرَّسُولُ مُبَلِّغٌ لِلْوَحْيِ وَاللَّهُ وَحْدَهُ يَتَوَلَّى الحِسَاب
جاءَ القرآنُ الكريمُ ليحدِّدَ وظيفةَ الرَّسولِ بدقّةٍ بالغةٍ حتى لا تتحوَّلَ الرِّسالةُ إلى سلطةِ قهرٍ روحيٍّ على البشرِ.
قالَ اللهُ تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ) (الأنعام: 66).
وقالَ سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: 21-22).
وقالَ جلَّ شأنُه: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) (الرعد: 40).
تكشفُ هذه الآياتُ عن جوهرِ الحريّةِ في المنهجِ القرآنيِّ؛ فالرَّسولُ عليه السَّلامُ يُبلِّغُ ويُذكِّرُ ويهدي إلى القرآنِ، أمَّا الحسابُ والجزاءُ والحكمُ على العقائدِ والقلوبِ فإلى اللهِ وحدَه.
عندما يبتعدُ المسلمونَ عن هذا المنهجِ القرآنيِّ، تظهرُ جماعاتُ الوصايةِ والتكفيرِ ومصادرةِ الضمائرِ، ويتحوَّلُ الإسلامُ إلى أداةِ قمعٍ وصراعٍ وهيمنةٍ، بينما يعيدُ القرآنُ بناءَ العلاقةِ بينَ الإنسانِ وربِّه على أساسِ الحريةِ والمسؤوليّةِ الفرديّةِ والاختيارِ الواعي.
الإِيمَانُ بِحُدُودِ البَشَرِ يُعِيدُ الإِنْسَانَ إِلَى النُّورِ الأَوَّل
لقد ابتعدَ العقلُ المسلمُ طويلًا عن النورِ القرآنيِّ الأوَّلِ بعدما غرقَ في طبقاتٍ متراكمةٍ من الرواياتِ والأساطيرِ التي أعادت تشكيلَ صورةِ الرَّسولِ بصورةٍ تُشبهُ صورَ الكائناتِ الخارقةِ في المخيالِ الشعبيِّ.
قالَ اللهُ تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الأحقاف: 9).
وقالَ سبحانه: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس: 15).
الرَّسولُ عليه السَّلامُ في القرآنِ نموذجُ العبوديّةِ الكاملةِ للهِ، ونموذجُ الالتزامِ بالوحيِ، ونموذجُ الرحمةِ والصبرِ والجهادِ الحضاريِّ لإخراجِ الإنسانِ من الظلماتِ إلى النورِ.
حينما يعتنقُ المسلمونَ هذا الفهمَ القرآنيَّ النقيَّ فإنَّهم يُعيدونَ الرِّسالةَ إلى مقصدِها الأعظمِ: (صناعةُ إنسانٍ حرٍّ كريمٍ واعٍ مطمئنٍّ، يعيشُ في سلامٍ مع اللهِ ومع نفسِه ومع العالمِ).
النُّورُ القرآنِي.. مشرُوعُ إنقَاذٍ لِلإِنسَان
لقد أرسلَ اللهُ رسولَه عليه السَّلامُ حاملًا نورًا يُنقذُ الإنسانَ من ظلماتِ الخوفِ والضياعِ والصراعِ الداخليِّ.
قالَ اللهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا) (النساء: 174-175).
النورُ في القرآنِ نورُ الوعيِ والبصيرةِ والتحريرِ الداخليِّ، نورٌ يُحرِّرُ الإنسانَ من صناعةِ الأصنامِ البشريّةِ، ومن ثقافةِ الخوفِ، ومن التعلُّقِ بالأوهامِ والأساطيرِ، ويُعيدُ بناءَ علاقتِه باللهِ على المحبّةِ والثقةِ والسكينةِ.
إذنْ تبدو ملامحُ "مشروعِ الرَّحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسانِ" واضحةً؛ فالسعادةُ في المنهجِ القرآنيِّ تبدأُ بتحريرِ العقلِ من الوهمِ، وتحريرِ الإسلام من الغلوِّ والتطرف، وتحريرِ الإنسانِ من الخوفِ، وإعادتِه إلى نورِ اللهِ الصافي الذي أنزلَه رحمةً للعالمين