اهم الاخبار
الجمعة 09 أكتوبر 2026
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

اللواء محمد نصر الدين علي سلامة أحد ابطال نصر أكتوبر يروي شهادته عن حرب أكتوبر: من ملحمة العبور وتحرير القنطرة شرق إلى معركة بناء الجمهورية الجديدة

الوكالة نيوز

في شهادة عسكرية وإنسانية مؤثرة، استعرض اللواء محمد نصر الدين علي سلامة، خلال احتفالية مؤسسة رسالة السلام العالمية بعنوان «نصر أكتوبر والعبور إلى الجمهورية الجديدة»، صفحات من تاريخ القوات المسلحة المصرية، مستعيدًا مراحل الإعداد لحرب أكتوبر 1973، وبطولات المقاتلين في معركة تحرير القنطرة شرق، والدور الحيوي لسلاح الإشارة في تأمين الاتصالات العسكرية، قبل أن تغلبه مشاعر التأثر وهو يتذكر الشهداء والمصابين ورفاق السلاح الذين دفعوا ثمن الانتصار من دمائهم وأجسادهم.

وإستهل اللواء محمد نصر الدين علي سلامة كلمته بالتعريف بنفسه ومسيرته العسكرية، مشيرًا إلى أنه أمضى نحو ثلاثين عامًا في صفوف القوات المسلحة المصرية، معظمها في سلاح الإشارة، قبل انتقاله للعمل في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية. كما وجه الشكر إلى مؤسسة رسالة السلام العالمية على دعوتها للمشاركة في الاحتفالية وإتاحة الفرصة له لعرض ذكرياته وشهادته العسكرية.

القوات المسلحة منظومة متكاملة لحماية الوطن

بدأ سلامة حديثه بشرح مبسط لتكوين القوات المسلحة المصرية، موضحًا أنها تضم القوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي، إلى جانب حرس الحدود والتشكيلات الخاصة، ومنها الصاعقة والمظلات، فضلًا عن الهيئات والأجهزة المعاونة.

واستعرض طبيعة انتشار الجيوش الميدانية والمناطق العسكرية على الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، مؤكدًا أن توزيع القوات يرتبط بطبيعة التهديدات المحتملة ومتطلبات حماية حدود الدولة وأمنها القومي.

وأشار إلى أن القوات المسلحة تضم أسلحة قتالية مثل المشاة والمدرعات والمدفعية، وأسلحة فنية تشمل الإشارة والهندسة والحرب الإلكترونية والمركبات، إلى جانب التخصصات الخدمية، موضحًا أن نجاح العمل العسكري يعتمد على التنسيق والتكامل بين جميع هذه الأفرع والتخصصات.

ثلاثون عامًا في سلاح الإشارة

وتوقف اللواء محمد نصر الدين علي سلامة أمام تجربته الطويلة في سلاح الإشارة، موضحًا أن المهمة الأساسية لهذا السلاح تتمثل في تحقيق الاتصال بين القيادات والتشكيلات والوحدات العسكرية في جميع الأوقات، مع ضمان استمرار الاتصال وتأمينه.

وأكد أن الاتصال العسكري لا يكفي أن يكون متاحًا فحسب، وإنما يجب أن يكون مستمرًا وآمنًا، لأن وصول المعلومات والأوامر إلى الوحدات المقاتلة يمثل عنصرًا أساسيًا في القيادة والسيطرة على العمليات.

واستعرض وسائل الاتصال التي عرفتها القوات المسلحة، ومنها الكابلات السلكية والاتصالات اللاسلكية والأنظمة متعددة القنوات والبريد العسكري والاتصال الشخصي، موضحًا أن هذه الوسائل شهدت تطورًا كبيرًا مع التقدم التكنولوجي.

وأشار إلى أن سلاح الإشارة أدى دورًا بالغ الأهمية في الاستعدادات العسكرية التي سبقت حرب أكتوبر، وخاصة في ربط المواقع القتالية وقواعد الدفاع الجوي بشبكات اتصالات مؤمنة.

من نكسة يونيو إلى إعادة بناء القوات المسلحة

وانتقل سلامة إلى الحديث عن الفترة التي أعقبت حرب يونيو 1967، مؤكدًا أن القوات المسلحة المصرية واجهت مرحلة شديدة الصعوبة، لكنها بدأت سريعًا إعادة تنظيم صفوفها واستعادة قدراتها القتالية.

وأوضح أن رحلة الإعداد لاسترداد الأرض مرت بمراحل الصمود والتصدي والرد، مشيرًا إلى ما بذلته القوات المصرية من جهود لإعادة بناء قدراتها العسكرية ورفع الروح المعنوية لدى المقاتلين.

وأشاد بالدور الذي أداه الفريق أول محمد فوزي في إعادة الانضباط والتنظيم إلى القوات المسلحة، مؤكدًا أن تلك المرحلة كانت أساسية في التمهيد لمعركة التحرير.

كما استعاد معركة رأس العش في يوليو 1967، باعتبارها واحدة من المواجهات التي جسدت شجاعة الجندي المصري وقدرته على الصمود بعد النكسة، مشددًا على أهمية توثيق هذه البطولات وتعريف الأجيال الجديدة بها.

بناء حائط الصواريخ تحت القصف الإسرائيلي

وتناول اللواء محمد نصر الدين علي سلامة مرحلة الإعداد للعمليات الهجومية وتطوير الخطط العسكرية، مستحضرًا دور الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الذي استشهد في مارس 1969، وجهود القيادة العسكرية في وضع خطط استعادة الأرض.

واستعرض ملحمة بناء حائط الصواريخ، مؤكدًا أن إنشاء مواقع الدفاع الجوي كان يجري في ظروف بالغة القسوة، تحت تهديد الطيران الإسرائيلي الذي كان يتمتع بتفوق جوي كبير خلال تلك المرحلة.

وأوضح أن أعمال الإنشاء كانت تتم في كثير من الأحيان خلال ساعات الليل، من آخر ضوء حتى أول ضوء، تجنبًا لهجمات الطائرات الإسرائيلية التي كانت تستهدف مواقع العمل.

وأشار إلى الجهود التي بُذلت لإنشاء القواعد والتحصينات اللازمة لصواريخ سام 2 وسام 3، وإلى مساهمة العمال والعناصر الفنية والعسكرية في استكمال هذه المهمة رغم مخاطر القصف.

وأكد أن رجال سلاح الإشارة شاركوا في مد شبكات الكابلات إلى مواقع الصواريخ والتشكيلات المقاتلة، لضمان استمرار الاتصال بين مختلف المواقع والقيادات.

سعد الدين الشاذلي والتوجيه 41

وأشاد اللواء محمد نصر الدين علي سلامة بالدور التاريخي للفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، مشيرًا إلى الأهمية الكبيرة للتوجيه 41 في تنظيم وإعداد القوات لعملية عبور قناة السويس.

وأوضح أن التوجيه تناول التفاصيل الدقيقة المتعلقة بمهام القوات، بحيث يعرف كل مقاتل دوره والخطوات المطلوب تنفيذها، مؤكدًا أن الفريق الشاذلي اهتم بأدق التفاصيل التي يمكن أن تؤثر في نجاح العبور.

وأضاف أن القوات تدربت على هذه المهام مرات متكررة، في مواقع تحاكي طبيعة الموانع والتحصينات الإسرائيلية، ومنها مناطق التدريب في مديرية التحرير وغيرها من المواقع التي أُعدت لمحاكاة ظروف المعركة.

وشدد على أن انتصار أكتوبر لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تخطيط علمي وتدريب متواصل وإعداد دقيق، شاركت فيه القيادات العسكرية والجنود وجميع التخصصات.

الفرقة 18 مشاة وتأمين خطوط الاتصال خلال العبور

واستعاد سلامة جانبًا من شهادته عن مهمة تأمين الاتصالات المرتبطة بالفرقة 18 مشاة، إحدى تشكيلات الجيش الثاني الميداني التي خاضت معارك القنطرة شرق.

وأوضح أن المهمة شملت تجهيز خطوط الاتصال السلكية بين قيادة الفرقة والقيادات الأعلى، ومد الكابلات إلى المواقع المتقدمة، بما يضمن استمرار وصول التعليمات والمعلومات في ظروف القتال.

وأشار إلى أن رجال سلاح الإشارة واصلوا العمل مع بدء العمليات العسكرية في السادس من أكتوبر، واستمروا خلال الأيام التالية في تجهيز شبكات الاتصالات وربط المواقع العسكرية والتحويلات الهاتفية.

وأكد أن الفترة من السادس إلى العاشر من أكتوبر شهدت جهودًا متواصلة لاستكمال منظومة الاتصال، رغم المخاطر التي فرضتها العمليات القتالية والقصف المعادي.

مشاهد لا تُنسى من معركة تحرير القنطرة شرق

وكان من أبرز أجزاء كلمة اللواء محمد نصر الدين علي سلامة حديثه عن معركة تحرير القنطرة شرق، وما شهدته من قتال متلاحم بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية داخل المواقع الحصينة.

واستعاد سلامة المشاهد التي قال إنه رآها خلال اقتحام النقاط القوية، موضحًا أن المقاتلين المصريين خاضوا مواجهات مباشرة من مسافات قريبة، مستخدمين الأسلحة الفردية والقواذف وقاذفات اللهب للتعامل مع التحصينات المعادية.

وتحدث عن شجاعة الجنود الذين تقدموا نحو المواقع الإسرائيلية رغم النيران الكثيفة، وما أظهروه من إصرار على تنفيذ مهامهم والسيطرة على المواقع الحصينة.

وأشار كذلك إلى ما شاهدته القوات من معدات ومتعلقات تركتها القوات الإسرائيلية عقب السيطرة على بعض المواقع، وما ارتبط بذلك من مواقف وذكريات ظلت محفورة في ذاكرته.

أيام صعبة بين العاشر والثاني عشر من أكتوبر

وتطرق سلامة إلى تطورات الموقف الميداني خلال الأيام التالية للعبور، وخاصة الفترة من العاشر إلى الثاني عشر من أكتوبر، موضحًا أن القوات تعرضت لقصف مدفعي استهدف بعض مواقعها ومناطق الإمداد والاتصالات.

واستعاد الظروف التي كان يعيشها المقاتلون داخل المواقع المتقدمة، مشيرًا إلى أنهم كانوا يحفرون حفرًا فردية للاحتماء من نيران المدفعية والشظايا، ويواصلون أداء مهامهم رغم الخطر المستمر.

وأوضح أن التعليمات العسكرية كانت مشددة بشأن ضرورة المحافظة على المواقع وعدم العودة إلى الخلف إلا وفق الأوامر والإجراءات المحددة، في إطار الحفاظ على تماسك القوات واستمرار تنفيذ المهام.

كما تحدث عن بعض المواقف الشخصية التي واجهها مع ضباط وجنود كانوا يعملون معه، وما فرضته الظروف من مسؤوليات ميدانية صعبة.

لحظات تأثر شديدة عند الحديث عن الشهداء والمصابين

وشهدت كلمة اللواء محمد نصر الدين علي سلامة لحظات إنسانية بالغة التأثير، عندما استعاد ذكريات رفاقه الذين استشهدوا أو أصيبوا خلال المعارك، وتحدث عن تجربته الشخصية مع الإصابة ودخوله المستشفى.

وبدا التأثر واضحًا عليه وهو يستعيد مشاهد الجنود الذين واجهوا الموت، والرفاق الذين عانوا من إصابات جسيمة تركت آثارها في حياتهم لسنوات طويلة.

وتوقف خلال حديثه واعتذر للحاضرين بعدما غلبته مشاعره، في لحظة جسدت عمق ارتباطه بتلك الذكريات، وأن مرور أكثر من نصف قرن على الحرب لم يمحُ من وجدانه صور المعركة وتضحيات رفاق السلاح.

واستعاد كذلك قصة أحد العسكريين الذين عانوا من إصابة بالغة استلزمت علاجًا طويلًا في مستشفى المعادي العسكري، مشيرًا إلى أن مثل هذه الحكايات تستحق أن تُروى للأجيال الجديدة، حتى يدركوا الثمن الإنساني الذي دفعه أبطال أكتوبر.

ذكريات جيهان السادات ورجاء حجاج وأنيس منصور

وتحدث سلامة عن جانب من الذكريات المرتبطة بفترة علاجه، مشيرًا إلى السيدة الراحلة جيهان السادات واهتمامها بزيارة المصابين والجرحى والاطمئنان عليهم.

كما استعاد السيدة رجاء حجاج، زوجة الكاتب الصحفي الكبير أنيس منصور، متحدثًا عن إحدى الوقائع التي ارتبطت بهما خلال تلك الفترة.

وروى أنه عثر خلال وجوده بأحد المواقع الإسرائيلية على خطاب ضمن متعلقات جندي إسرائيلي، وأن هذه الواقعة ارتبطت لاحقًا بالكاتب أنيس منصور ونشر مادة صحفية بشأن الخطاب.

وأوضح أن الرسالة كانت ذات طابع شخصي، وتتعلق بالجندي الإسرائيلي وخطيبته، مشيرًا إلى أن الواقعة بقيت ضمن ذكرياته المرتبطة بالحرب.

مشاركته في توثيق الحرب داخل بانوراما أكتوبر

وانتقل اللواء محمد نصر الدين علي سلامة إلى الحديث عن مرحلة لاحقة من مسيرته العسكرية، عندما شارك، بحسب شهادته، في الأعمال التحضيرية المرتبطة بإنشاء بانوراما حرب أكتوبر بالتعاون مع خبراء من كوريا الشمالية.

وأوضح أنه كان ضمن مجموعة من العسكريين الذين جرى الاستعانة بهم للاستفادة من تجاربهم وشهاداتهم بشأن أحداث المعركة، بما يساعد على إعادة تجسيد مشاهد القتال ونقل تفاصيلها بصورة بصرية إلى الجمهور.

وأشار إلى أن المشروع اعتمد على شهادات من عايشوا أحداث الحرب، من أجل تقديم صورة أقرب إلى الواقع عن المواقع العسكرية والمواجهات التي شهدتها الجبهة.

وأكد أن توثيق هذه البطولات يمثل واجبًا وطنيًا، ليس فقط لتخليد الانتصار، وإنما للحفاظ على ذاكرة الرجال الذين صنعوه، وفي مقدمتهم الشهداء والمصابون وأبطال التشكيلات العسكرية المختلفة.

من حرب أكتوبر إلى الأمن القومي للجمهورية الجديدة

وفي ختام كلمته، ربط اللواء محمد نصر الدين علي سلامة بين البطولات التي حققتها القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر، والجهود التي تبذلها الدولة المصرية اليوم لحماية أمنها القومي وبناء الجمهورية الجديدة.

وأشار إلى أنه عمل خلال مسيرته في جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، وتعرف من خلال تجربته على جوانب أخرى من أدوار المؤسسة العسكرية، إلى جانب مهامها القتالية والدفاعية.

وأكد أن مفهوم الأمن القومي الاستراتيجي يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة، ليشمل حماية الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات وبناء مقومات القوة والاستقرار.

وأوضح أن بعض الجهود المرتبطة بالأمن القومي قد لا تكون ظاهرة للمواطنين بصورة مباشرة، لكنها تظل جزءًا من منظومة حماية الوطن وتأمين مستقبله.

واختتم سلامة شهادته بالتأكيد على أن ملحمة أكتوبر كانت فضلًا من الله، ثم ثمرة لتضحيات الرجال والتخطيط والتدريب والعمل الجماعي، وأن الانتصارات العظيمة لا تتحقق بالمصادفة، وإنما بالإرادة والإيمان والانضباط والاستعداد الجيد.

وهكذا جمعت كلمة اللواء محمد نصر الدين علي سلامة بين شهادة عسكرية عن مراحل الإعداد لحرب أكتوبر، وشهادة إنسانية عن آلام الحرب وتضحيات المقاتلين، ورسالة وطنية تؤكد أهمية استلهام دروس العبور في حماية مصر ومواصلة مسيرة البناء والتنمية.