أخبار عاجلة
دراسة تحليلية عن مقال المفكر على الشرفاء : " كل نفس بما كسبت رهينة "
إعداد د. معتز صلاح الدين مستشار المركز الديمقراطي لدراسات الشرق الأوسط بنورث كارولينا
لقد تواكب مقال المفكر العربى الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي مع فريضة الحج وجاء عنوان المقال مستندا إلى آية قرآنية عظيمة "كل نفس بما كسبت رهينة "

*أولاً: القيمة الروحية والوجدانية*
مدخل المقال جاء مرتبطا بالحج من خلال صورة إنسانية جامعة لذا يعد
من أبرز ما يُحسب للمقال افتتاحيته التي رسم فيها مشهد الحج بلغة تجمع بين الصورة البصرية والعمق الفلسفي. عبارة"يقف الناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ومكانتهم... حفاةً عراةً يلبسون الأكفان" ليست مجرد وصف طقسي، بل هيإعلان فلسفي عن المساواة الإنسانية الجذرية، وهو ما يجعل هذه الافتتاحية من أكثر المقاطع إنسانية وعالمية في النص.
كما أن ما تضمنه المقال من
الربط بين وحدة الخالق ووحدة المخلوق فكرة ناضجة تستحق التأمل، وهي ليست فكرة مكررة بل تحمل بُعداً عظيما :المساواة ليست قانوناً بشرياً بل حقيقة وجودية.
*ثانياً: الجرأة الفكرية والنقدية*
يحسب للمقال الجرأة على مواجهة السلطة الدينية
في ثقافة تُقدّس العالِم الديني وتجعل الاعتراض عليه شبه مستحيل اجتماعياً، كما يكتسب هذا المقال قيمة استثنائية لأنهيُقدم على ما يحجم عنه كثيرون: نقد المؤسسة الدينية الرسمية استنادا إلى القرآن نفسه.
هذه الجرأة ليست تهوراً بل هي من صميم تقليد إسلامي إصلاحي عريق يمتد من ابن حزم إلى محمد عبده، الذين جميعاًواجهوا مؤسساتهم الدينية بالنص لا بالسلطة.
استخدام السلاح ذاته
من أذكى ما في المقال أن الكاتب يُدافع عن القرآن بالقرآن، فيضع خصمه في موقف بالغ الحرج: من أراد أن يرد على هذاالنقد يجد نفسه في مواجهة الآيات لا في مواجهة الكاتب فحسب. هذه استراتيجية حجاجية ذكية تُغلق باب المناورة.
*ثالثاً: التشخيص الحضاري الصائب*
فقد وضع المفكر الأستاذ على الشرفاء الإصبع على الجرح الحقيقي
حين يقول المفكر فى مقاله إن الأمة "بعيدة عن وحدتها ونهضتها ما دامت تهجر كتاب الله"، فهو يُشخّص أزمة حقيقيةيُجمع عليها كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين بصرف النظر عن توجهاتهم. إشكالية الفجوة بين المسلم والقرآن.. تلاوةً بلا فهم، وحفظاً بلا تدبر ... هي من أكثر المسائل إلحاحاً في النقد الثقافي الإسلامي اليوم.
الدعوة إلى التدبر لا التلاوة
الجملة: "القرآن الكريم لم ينزله الله ليكون تراثاً يُتلى فحسب، وإنما ليقود الإنسان إلى الحق والعدل والسلام والرحمة" .. هذه الجملة تحمل نقداً ثقافياً عميقاً يستحق وقفة خاصة، فهي تُفرّق بين الإسلام الشعائري والإسلام المنهجي، وهو تمييزجوهري في الفكر الإسلامي الإصلاحي.
*رابعاً: القيم الإنسانية* *الكونية*
استحضار مفاهيم إنسانية عالمية
من أجمل ما في المقال أنه يستخلص من الدين قيماً إنسانية كونية لا طائفية، حين يذكر:
"الرحمة والعدل والمساواة والإحسان ونشر السلام واحترام حرية الإنسان وحقه في الحياة والاختيار لدينه ومعتقداته"
هذه القيم تتقاطع مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع الفارق الكبير بين كتاب سماوى وبين اتفاقيات بشرية وتُقدمهذه القيم الإسلام بوصفه رسالة تحريرية لا رسالة قهرية، وهو تأطير يحتاجه الخطاب الإسلامي المعاصر بشدة.
أيضا موقف المفكر الأستاذ على الشرفاء فى المقال من حرية الاعتقاد
وتوظيفه لآية سورة الكهف ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ في سياق حرية الإنسان في الاعتقاد يعتبر موقف فكريشجاع، يُقدم الإسلام دينَ اختيار لا دين إكراه، وهو موقف يتعارض مع الاستخدامات التسلطية للدين التي تُجرّم الاختيارالفردي.
*خامساً: الجودة الأسلوبية والأدبية*
تضمن مقال المفكر العربى الأستاذ على الشرفاء وهو المقال السابق الإشارة اليه
لغة تجمع بين الرصانة والحماس لذا يظهر جليا أن
اللغة في هذا المقال تُحقق توازناً نادراً بين الفصاحة الكلاسيكية والحيوية التعبيرية، فجمل مثل:
"فضاع جهدهم وتبخرت دعواتهم، وسقطوا في معاصيهم"
تحمل إيقاعاً موسيقياً داخلياً من خلال التوازي الثلاثي والتصاعد الدرامي الذي يُحكم قبضته على القارئ دون أن يُثقله.
خاتمة المقال.. توقيع فني رفيع
"اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد" — هذه الخاتمة من الناحية الأدبية نموذج في الإيجاز البليغ. جملتان تحملان:
إعلان اكتمال الواجب
تحويل المقال إلى شهادة أمام الله
إلقاء المسؤولية على القارئ لا على الكاتب
صدىً قرآنياً ونبويا يُضفي هيبة روحية على النص
*سادساً: الوظيفة الاجتماعية للمقال*
*إيقاظ الضمير الجمعي*
من أهم وظائف هذا النوع من الكتابة أنه يُعيد طرح أسئلة جوهرية في الفضاء العام:
ما علاقتنا الحقيقية بالقرآن؟
هل نتبع النص أم الشخص؟
من يملك حق التفسير والتمثيل؟
هذه أسئلة يحتاجها المجتمع الإسلامي المعاصر بشدة، وإثارتها في خطاب عام مُتاح لا في بحث أكاديمي مقيّد
هي قيمة اجتماعية لا يُستهان بها.
*كسر احتكار التفسير*
فالمقال يُعلن ضمنياً أن القرآن ملك للجميع لا حكراً على طبقة العلماء، وهو موقف ديمقراطي في جوهره يُحرر القارئالعادي ليتعامل مع النص المقدس مباشرة دون وسيط إلزامي.
*جوانب اخرى ميزت المقال*
افتتاحية حجية تبدو كأنها مصورة وخاتمة رمزية مؤثرة
نقد جريء للمؤسسة الدينية بأسلوب قرآني الحضاري
تشخيص دقيق لأزمة هجر التدبرالإنساني
استخلاص قيم كونية من النص الديني
الاجتماعي
كسر احتكار التفسير وإعادته للعموم
لغة فصيحة متوازنة وإيقاع تصاعدي محكم
*وبصفة يكتسب هذا المقال أهمية تتركز في ثلاثة محاور كبرى:*
*أولاً القيمة الروحية* : قدرته على إيقاظ الوجدان الديني وتجديد العلاقة مع القرآن.
*ثانياً القيمة الإصلاحية:* جرأته على نقد السلطة الدينية باسم النص .
*ثالثاً القيمة الإنسانية:* تقديم المقال الإسلام بأنه دين حرية ومساواة ورحمة لا دين قهر وإكراه.
هذه الإيجابيات مجتمعة تجعل من المقال نصاً ذا أثر حقيقي في القارئ، حتى حين يُختلف مع بعض حججه المنهجية.
في نهاية المطاف، يقف هذا المقال شاهداً على لحظة فارقة في تاريخ الخطاب الديني الإسلامي المعاصر لحظة يجرؤ فيهاقلم على أن يقول ما يُحجم عنه كثيرون، وأن يرفع صوته في وجه من احتكروا التفسير وتربّعوا على عروش الفتوى باسمالدين، فيما القرآن الكريم يبقى في يد المؤمن البسيط شمعةً لا يُسمح له بإضاءتها إلا على هواهم.
فما أجمل أن يُدافع الكاتب عن القرآن بالقرآن، وما أشجع أن يُواجه المؤسسة الدينية بسلاحها الأمضى
المقال في جوهره صرخة، وللصرخة مكانها ووظيفتها — فهي توقظ النائم وتُنبّه الغافل وتُحرج المتواطئ.
ويبقى السؤال الأعمق الذي يطرحه المقال دون أن يُجيب عنه إجابة وافية: إذا كان القرآن وحده كافياً، فكيف نفهمه؟ ومنيملك مفاتيح هذا الفهم؟ فإن أجاب: "كل مؤمن بعقله وقلبه" فتلك رسالة تحريرية عظيمة لكنها تحتاج إلى أدوات .
لعل أصدق ما يُقال في حق هذا المقال: أنه أحسن في التشخيص وفي عالم مليء بمن يُجيدون الصمت حين تستوجبالكلمةُ شجاعةً، يظل هذا الصوت أثمن من سكوت ألف عالم آثر سلامته على حساب الحقيقة.
وختاماً، كما استشهد الكاتب بقول الله تعالى ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ — فإن هذه الآيةنفسها تُلزم كل قلم : أن يُقدّم الحق واضحاً مدعوماً موثقاً، ثم يترك للقارئ حرية الحكم. وذلك هو الميزان الذي لا يجور.