بأقلامهم
مجدى طنطاوى يكتب : لماذا يكرهون مصر رغم أنها لم تغلق بابها يوما ؟!
استمعت مصادفة إلى أحد أبناء السودان المنصفين وهو يتحدث بمرارة ودهشة عن واقع بات ملحوظا لدى كثيرين وهو أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني تحمل مشاعر سلبية تجاه المصريين رغم أن مصر كانت وما زالت الملاذ الذى يفتح أبوابه للسودانيين حين تضيق بهم الأرض وتغلق فى وجوههم الحدود والموانئ والمطارات.
وكان الرجل يتساءل بألم وصدق
كيف تتحول يد احتضنت الناس إلى هدف للكراهية
وكيف يصبح البلد الذى استقبل الملايين وعاملهم كأهل وذوى قربى موضع إساءة وتجريح وسخرية
والحقيقة أن السؤال لا يخص السودان وحده
بل يمتد إلى دول عربية أخرى باتت تنظر إلى مصر وشعبها بعين الجفاء أو الحسد أو الاتهام رغم أن مصر لم تكن يوما دولة طاردة للعرب ولا مغلقة فى وجوه المنكوبين.
ففى كل أزمة عربية كانت مصر هى الحضن
وفى كل حرب كانت مصر هى السند
وفى كل انهيار كانت القاهرة هى الباب الذى لا يسأل القادم إليه عن مذهبه ولا قبيلته ولا انتمائه السياسى.
دخلها السوداني والسورى والعراقى واليمنى والليبى والفلسطينى
فعاشوا بين الناس لا داخل مخيمات العزل والإذلال
ودخل أبناؤهم المدارس
وتعالج مرضاهم فى المستشفيات
وعمل رجالهم فى الأسواق والشركات
ولم يشعر معظمهم أنهم لاجئون بل شعروا أنهم بين أهلهم.
ومع ذلك تخرج بين الحين والآخر أصوات جاحدة تسب مصر وشعبها وتطعن فى تاريخها وتسخر من أهلها بل وتتمادى أحيانا إلى الإساءة لنساء مصر فى سقوط أخلاقى وإنسانى موجع.
وهنا يحق لنا أن نسأل
من الذى أوصل العلاقة بين الشعوب العربية إلى هذا المستوى من الجحود والكراهية
الحقيقة المؤلمة أن السبب الأكبر ليس الشعوب وحدها
بل سنوات طويلة من العبث السياسى والإعلامى وصناعة الأحقاد وتصدير الأكاذيب وتغذية الشعور المرضى بأن مصر عدوة أو متعالية أو متآمرة.
لقد لعبت بعض الأنظمة وبعض الأبواق الإعلامية دورا خطيرا فى تشويه صورة مصر لأنها كانت تدرك أن بقاء مصر قوية يعنى سقوط مشاريع التقسيم والكراهية والفوضى.
كما أن بعض المصريين أخطأوا حين تعاملوا أحيانا بغرور أو استعلاء أو سخرية من الآخرين فصنعوا جروحا فى النفوس استغلها الحاقدون لتأجيج الكراهية.
لكن يبقى الفارق كبيرا بين أخطاء أفراد وبين موقف دولة وشعب لم يغلق بابه يوما أمام الملهوفين.
إن مصر التى تحملت فوق طاقتها اقتصاديا واجتماعيا وإنسانيا كى لا يضيع العرب فى المنافى لا تستحق هذا الجحود
ولا يستحق شعبها أن يتحول إلى هدف دائم للإساءة ممن وجدوا فيه يوما الأمان والستر والرزق.
ومع ذلك فإن مصر الحقيقية أكبر من الشتائم
وأعمق من حملات التحريض
لأنها لم تكن يوما مجرد حدود وجيش وعاصمة
بل كانت عبر التاريخ قلب الأمة حين يتوقف النبض فى بقية الجسد.
وسيظل الشرفاء من أبناء السودان وسائر البلاد العربية يدركون الحقيقة
أن مصر لم تكن يوما عدوا لأحد
وأن الذين يحاولون زرع الكراهية بينها وبين أشقائها إنما يخدمون مشاريع تمزيق الأمة وإسقاط ما تبقى من روابط الأخوة والرحمة والإنسانية.