اهم الاخبار
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

بأقلامهم

بهجت العبيدي يكتب : بين فخّ الحروب الدينية ونور الخطاب الإلهي

قراءة في تحذيرات تاكر كارلسون ورؤية المفكر العربي الشرفاء الحمادي

الوكالة نيوز

في الأزمنة المضطربة، وهل هناك زمن أكثر اضطرابا من زماننا هذا؟!، تبرز  أصواتٌ تشبه أجراس الإنذار، توقظ الضمير الإنساني قبل أن يغرق في ظلام الصراع. هذه اللحظات لا تكون مجرد تعليق على الأحداث، بل إشارات كاشفة تضع البشرية أمام مفترق طرق واضح: إما الاستمرار في الانزلاق نحو حروب تلبس عباءة المقدس، أو العودة إلى جوهر الرسالة الإلهية التي جعلت الإنسان محور الوجود وغاية العمران.


في هذا السياق، أثار الإعلامي الأمريكي المعروف تاكر كارلسون جدلا واسعا حين حذر من احتمال انزلاق الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط إلى "حرب الدينية". إن تحذيره لم يكن مجرد مجرد تحليل سياسي عابر، بل قراءة لملامح ظاهرة آخذة في الاتساع؛ ظاهرة امتدت عبر القرون تم فيها استخدام النصوص والتأويلات الدينية وقودا لصراعات جيوسياسية معقدة. فحين تُستدعى النبوءات إلى ساحات السياسة، ويتحول الإيمان إلى أداة تعبئة، تصبح الحروب أكثر شراسة، وهذا أمر طبيعي حيث أن المتقاتلين يظنون أنهم يخوضون معركة مقدسة لا تقبل التسوية.
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي. فالتاريخ يخبرنا أن الحروب التي تُخاض باسم الأرض يمكن أن تنتهي باتفاق، أما تلك التي تُخاض باسم السماء فغالبا ما تستمر لفترات طويلة لأن كل طرف يعتقد أنه يقاتل باسم الله ولله وبتفويض إلهي. عند هذه النقطة تحديدا يتحول الدين من رسالة هداية إلى أداة صراع، ومن طاقة روحية إلى شرارة نار.
غير أن المشهد الفكري لا يقف عند حدود التشخيص والتحذير. فبينما يكتفي بعض المحللين برصد المخاطر القادمة، يظهر في الضفة الأخرى مشروع فكري يحاول تقديم مخرج حضاري من هذا المأزق. هنا يبرز طرح المفكر العربي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يطرح في مشروعه الفكري، ولا سيما في كتابه "المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي"، رؤية تسعى إلى إعادة الدين إلى منابعه الأولى.
في هذا الطرح، لا يُقدَّم الدين باعتباره راية صراع، بل باعتباره علاقة روحية خالصة بين الإنسان وخالقه. إنها علاقة تقوم على المسؤولية الأخلاقية الفردية، لا على تعبئة الجماعات في معارك الهوية. ومن هنا يميز الأستاذ الشرفاء الحمادي بين "الخطاب الديني" الذي صاغته اجتهادات البشر عبر التاريخ، و"الخطاب الإلهي" الذي يخاطب الإنسان بوصفه إنسانا قبل أي انتماء آخر.
بهذا المعنى، يصبح الإنسان هو مركز الفكرة الدينية، لا الهويات المتصارعة. فالغاية من الرسالات، في هذا التصور، ليست تقسيم البشر إلى معسكرات متناحرة، بل جمعهم حول قيم العدل والرحمة والتعارف. لذلك يؤكد الأستاذ الشرفاء أن القاعدة القرآنية التي تقول: "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" ليست مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل مبدأ حضاري كفيل بتفكيك منطق العنف الذي يغذي الصراعات المعاصرة.
عند المقارنة بين التحذير الذي أطلقه تاكر كارلسون والرؤية التي يقدمها الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي، تتكشف معادلة فكرية لافتة: الأول يدق جرس الخطر، والثاني لاىيكتفي بالتحذير بل يرسم طريق النجاة. فبينما يلفت التحليل السياسي الأنظار إلى فخّ الحروب الدينية الذي قد يبتلع العالم، يقدم المشروع الفكري للأستاذ الشرفاء الحمادي صيغة بديلة تقوم على تحرير الدين من قبضة السياسة ومنطق الهيمنة.
هذه الصيغة لا تقوم على الصدام، بل على إعادة تعريف العلاقة بين البشر. فبدلا من خطاب "صراع الحضارات" الذي غذّى كثيرا من النزاعات، يطرح الأستاذ الشرفاء رؤية تقوم على وحدة القيم الإنسانية المشتركة. وبدلا من تحويل المقدسات إلى خطوط مواجهة، يدعو إلى صونها باعتبارها جسورا روحية بين الإنسان وربه، لا ساحات تنازع بين البشر.
هكذا تتضح المفارقة: العالم يقف اليوم على حافة فخّ خطير، حيث يمكن للدين أن يتحول إلى وقود لصراعات مدمرة. لكن في المقابل، ما تزال هناك فرصة لإنقاذ المعنى الأصيل للدين، إذا أعيدت قراءته - كما يفعل مشروع الشرفاء الحمادي - بوصفه رسالة رحمة وعدل لا مشروع صراع.
وفي نهاية المطاف، تبدو الحقيقة أبسط مما يتصور كثيرون: فالبشرية لن تجد خلاصها في تعظيم أسباب الانقسام، بل في استعادة المعنى الإنساني العميق للرسالات السماوية. فإذا كُتب لمشروع مثل مشروع المفكر علي محمد الشرفاء الحمادي النجاح وتبنته الإنسانية فمما لا شك فيه يمكننا الحصول على عالم أقل صراعا وأكثر سلاما، أقل ظلما وأكثر عدلا؛ عالم لا تُرفع فيه رايات الحرب باسم الله، بل تُرفع فيه قيم الرحمة التي أرادها الله للناس جميعا.