هجر المسلمون القرآن وأصبح الانقسام ساحة للصراع .. حوار فكري واسع " كل خميس " | صور
علي الشرفاء يحذر : الاختلاف المذهبي تحول الى قنابل موقوتة تهدد امن الأمة .. عودوا لـ كلام الله
صدر أمس العدد الجديد من مجلة «كل خميس» التي تصدر عن مؤسسة رسالة السلام، متضمناً ملف فكري وتحليلي موسع يتناول قضايا الانقسام الفكري والديني في العالم الإسلامي، ويتصدره مقال محوري للمفكر العربي الأستاذ علي الشرفاء الحمادي بعنوان " بين المذاهب الدينية والتنظيمات السياسية ".

ويطرح الشرفاء في مقاله الافتتاحي أطروحته الإصلاحية في قلب السؤال المعاصر: كيف أُبعد المسلمون عن مرجعية القرآن الجامعة، واستُبدلت بها مرجعيات متنازعة أفضت إلى الانقسام والتسييس والصراع. ويؤكد أن وحدة المسلمين ليست شعاراً سياسياً، بل فريضة قرآنية تقوم على الاعتصام بحبل الله ورفض التفرق الذي يحوّل الدين إلى ساحة تنازع على السلطة والغنيمة، بدلاً من أن يكون منهج هداية وعدل ومنع للفساد.

ويمضي المقال في بيان أن أخطر ما في الافتراق ليس تعدد الآراء في ذاته، بل تحوّل الاختلاف إلى حزبية مذهبية وطائفية تفتح باب الوضع والانتحال في الروايات، وتنتج ديناً موازياً يزاحم كتاب الله في موقع المرجعية، فتتعدد البوصلات وتضيع المعايير، وتصبح الأمة أكثر قابلية للاستقطاب والعنف. وفي المقابل، يشدد المقال على أن العودة إلى الخطاب الإلهي تعيد ميزاناً واحداً يضبط الإيمان والسلوك، ويصون الدماء ويستعيد معنى الأخوة والرحمة.

ويلي المقال الافتتاحي مقال بعنوان «ما قل ودل» بوصفه مدخلاً مركزياً في “حوار الرؤى والمنهجية” مع أطروحة الشرفاء حول الافتراق الأثيم، حيث يلخص المقال جوهر الفكرة في أن التمزق يبدأ لحظة يتحول الدين من هداية تنظم الضمير إلى لافتة تنظم الاصطفاف، وأن معيار الحكم ينزاح من القيم إلى الهوية، ومن العدل إلى الشعار، فتتكاثر مسميات الفرقة والطائفة والحزب، ويصبح الانتماء مقدماً على ميزان الإصلاح والفساد.

كما يبرز المقال آليات صناعة الانقسام في الواقع اليومي، من بينها تربية الخوف من السؤال، وتقديس الوسطاء، وتحويل التدين إلى ما يشبه “ديانة دفاعية” تبرر الاعتداء وتستدعي السياسة كغنيمة، قبل أن يقدم خلاصته العملية بأن العودة إلى القرآن ليست إلغاءً للاختلاف، بل إعادة ضبط لمركز الثقل؛ قرآنٌ معيار للعدل والرحمة ومنع الفساد، لا مخزن استشهاد انتقائي.

ويتضمن العدد كذلك ملفاً تحليلياً يرصد كيف يتسلل الانقسام إلى المجتمع عبر اللغة اليومية وتفاصيل العلاقات، حين تتحول ثنائية “نحن/هم” إلى حساسية في المصافحة والزيارة والزواج والعمل، ثم إلى قطيعة عامة تضعف الثقة وتفتح الباب أمام أي شرارة صغيرة لتتحول إلى فتنة واسعة. ويؤكد التقرير أن الخلاف لا يتحول إلى عداوة إلا عندما تتعدد الموازين بتعدد الجماعات، وعندها يغيب السقف الأخلاقي الجامع، فتُستباح القيم باسم “نصرة الدين” أو “مصلحة الجماعة”.

وفي سياق متصل، يخصص أحد مقالات العدد مساحة لتفكيك توظيف الدين في السياسة، موضحاً أن التنظيم المتدثر بالدين يقدّم نفسه بوصفه مشروعاً مقدساً لا يجوز نقده، ويحوّل المنافسة السياسية من تنافس على البرامج إلى تنافس على “الشرعية المقدسة”. ويربط المقال بين الاستقطاب وبين ما يسميه اقتصاد الخوف وصناعة العدو الدائم، قبل أن يطرح مساراً للخروج يقوم على دولة القانون، وتحييد المقدس عن الغنيمة السلطوية، وتجفيف منابع الاستقطاب عبر ضمان الحقوق بوصفها حقوقاً لا “منحاً” من الجماعات.

كما يتناول محور آخر من العدد ما وصفه بفتنة المنصات الرقمية وحروب الشاشات، موضحاً أن الفتنة لم تعد تحتاج خطيباً مفوهاً أو بياناً طويلاً؛ إذ يكفي مقطع مبتور أو عنوان مستفز لإشعال موجات غضب تصنع يقيناً عصبيًا وتدفع نحو التحريض. وينبه المقال إلى آليات المنصات في تبسيط المعقد وشخصنة الخلاف وصناعة يقين فوري، داعياً إلى بناء “مناعة رقمية” تقوم على التحقق وفهم السياق والتمييز بين النص والتأويل، وبين النقد والتحريض.

ويطرح مقال آخر سؤال الكرامة الإنسانية بوصفه معياراً كاشفاً لزيف التدين العنيف، مؤكداً أن العنف يبدأ بفكرة تنزع عن الضحية إنسانيتها قبل أن يبدأ بالسلاح. ويربط المقال بين حماية الحق في الحياة وبين تجفيف منابع التجنيد، موضحاً أن التنظيمات المتطرفة تعيش على مظلومية تتغذى من غياب العدالة وتعميم الاتهام والعقاب الجماعي، ليخلص إلى أن وضع كرامة الإنسان في المركز يسقط شرعية الاستباحة مهما تزينت بالشعارات.

ويختتم العدد بمقال تربوي يعيد جذور الفتنة إلى المدرسة والمنهج قبل المنبر والشارع، موضحاً أن الانقسام العميق يُصنع بصمت داخل الفصول حين يُعاقب السؤال ويُكافأ التسليم، وحين تُقدَّم النصوص بوصفها طقوساً بلا أخلاق أو معارك هووية بلا تدبر. ويدعو المقال إلى تعليم التدبر وأخلاق الاختلاف، وتدريب المعلمين على إدارة الحوار، وإدماج التربية الإعلامية الرقمية حتى لا يصبح الهاتف معلمًا للغضب بدلاً من أن يكون أداة للفهم.

وبهذا البناء المتدرج، يقدم العدد الجديد من «كل خميس» ملفاً فكرياً متماسكاً يعيد طرح سؤال الوحدة بوصفه قضية منهج ومرجعية ومعيار أخلاقي، لا مجرد خطاب تعبوي؛ قرآن جامع، وعدل يحمي الإنسان، ووعي يحاصر الاستقطاب، وتعليم يصنع مناعة ضد توريث الكراهية.

ويرأس مجلس تحرير مجلة «كل خميس» الكاتب