بأقلامهم
د. محمد عبد الفتاح يكتب: رؤية مصر 2030… دولة تبني الحاضر بعقل المستقبل
لم تعد التنمية في مفهومها الحديث مجرد تحقيق معدلات نمو اقتصادي، بل أصبحت عملية شاملة تهدف إلى بناء دولة قوية قادرة على تلبية احتياجات الحاضر دون المساس بحقوق الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق جاءت رؤية مصر 2030 كإطار وطني طموح يعكس إدراك الدولة المصرية العميق لتحديات العصر، وسعيها الجاد لتحقيق تنمية مستدامة متوازنة في أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
أولت رؤية مصر 2030 اهتمامًا خاصًا ببناء اقتصاد تنافسي متنوع يعتمد على المعرفة والابتكار، ويحقق معدلات نمو مستدامة، مع تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات. وقد انعكس ذلك في التوسع الكبير في مشروعات البنية التحتية القومية، وتطوير شبكات الطرق والنقل، ودعم التحول الرقمي، وتحسين مناخ الاستثمار، بما أسهم في رفع كفاءة الاقتصاد وزيادة قدرته على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وفي إطار البعد الاقتصادي أيضًا، جاء التوجه الواضح نحو الطاقة الجديدة والمتجددة كأحد أهم ركائز الأمن القومي، حيث تبنت الدولة مشروعات كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ووضعت استراتيجيات واضحة لتحسين كفاءة استخدام الطاقة، بما يدعم النمو الاقتصادي ويحافظ على الموارد الطبيعية في الوقت ذاته.
وعلى الصعيد الاجتماعي، انطلقت رؤية مصر 2030 من مبدأ أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها الأساسية. وقد تجسد ذلك في إطلاق مبادرات تنموية شاملة تهدف إلى تحسين جودة حياة المواطنين، وفي مقدمتها مبادرة حياة كريمة، التي أسهمت في تطوير القرى المصرية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتقليص الفجوات التنموية بين المناطق المختلفة.
كما أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا بتطوير منظومتي التعليم والصحة، وبناء الإنسان المصري القادر على التفاعل مع متطلبات العصر، مع التركيز على تمكين الشباب والمرأة، وتعزيز مشاركتهم الفعالة في سوق العمل وفي عملية صنع القرار، باعتبارهم قوة الدولة الحقيقية ومحرك التنمية المستدامة.
وفيما يتعلق بالبعد البيئي، أكدت رؤية مصر 2030 التزام الدولة بتحقيق تنمية تحترم البيئة وتحافظ على الموارد الطبيعية، في ظل ما يشهده العالم من تحديات مناخية متزايدة. وقد تبنت مصر سياسات واضحة للتحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتقليل الانبعاثات الضارة، والتوسع في مشروعات إدارة المخلفات، والحفاظ على الموارد المائية، بما يضمن استدامة التنمية على المدى الطويل.
وقد عكس الدور المصري الإقليمي والدولي في قضايا المناخ، واستضافة مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP27)، حجم الوعي بأهمية التكامل بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، ودور مصر الريادي في دعم قضايا التنمية المستدامة على المستويين الإقليمي والدولي.
إن ما يميز رؤية مصر 2030 هو شمولها وتكاملها، وقدرتها على الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، من خلال إرادة سياسية واعية، ومؤسسات دولة تعمل وفق منهج علمي واضح، قائم على المتابعة والتقييم المستمر. وهو ما يعكس قوة الدولة المصرية وقدرتها على بناء نموذج تنموي متوازن يحقق الاستقرار والنمو في آن واحد.
إن رؤية مصر 2030 ليست مجرد وثيقة استراتيجية، بل هي تعبير حقيقي عن دولة تمتلك الوعي والرؤية، وتسير بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر استدامة، قائم على التنمية الشاملة، وقوة الإنسان، وصلابة مؤسسات الدولة.
استشاري الاستدامة واستراتيجيات الطاقة المتجددة