بأقلامهم
محمد الشنتناوي يكتب : بين سطور الشرفاء .. أمريكا حين تتجاوز السيادة وتحتقر القانون
يُعيد علي محمد الشرفاء الحمادي توصيف “ازدواجية المعايير الأمريكية” بوصفها سياسةَ مصالحٍ تُدار بالقوة، لا خطابَ قيمٍ يُحتكم إليه. ويُقدّم في كتاباته مفاتيح قراءةٍ تُفسّر كيف تُرفع شعارات “الحرية وحقوق الإنسان” حين تخدم الهدف، ثم تُستبعد “المواثيق والعهود” عندما تعوق القرار.
يُؤسِّس الشرفاء هذه الرؤية من لحظةٍ مفصلية في التاريخ السياسي للمنطقة، حين يربط بين اغتصاب فلسطين وبين صناعة واقعٍ دوليٍّ يحمي الاحتلال لا الحق"ألم تكن بريطانيا هي المســؤولة الأولى عن جريمة اغتصاب فلســطين بوعد بلفور المشــؤوم؟ ألم تكــن الولايات المتحــدة أول من أعترف بالكيان الصهيوني؟ كلاهما أوجد إسرائيل وكلاهما يحافظ على استمرار وجودها، بما يحقق لها من تخطيطٍ شريرٍ يخدم مصالحهما الاستراتيجية"
ويُكمّل الشرفاء الصورة بتوصيفٍ مباشرٍ لمنطق الحركة الأمريكية/الإسرائيلية في المجال العربي "تسعى أمريكا وإســرائيل لتغيير الخارطة السياســية والجغرافية في بعض الدول العربية "
ثم يحسم المعنى الأخطر الذي يصنع “الازدواجية” عمليًا لا تنظيرًا
"فلن تمنعهم أخلاقياتٌ أو قيمٌ أو احترامُ مواثيقٍ أو عهودٍ من الإطاحة بأي نظام يقف في طريق تحقيق أهدافهم"
ويذهب الشرفاء إلى “آلية القرار” داخل واشنطن، فيرى أن الحياد المزعوم لا يقوم أصلًا، لأن القرار يُصاغ تحت ضغطٍ يوجّه البوصلة "تمكنوا من أن يحكموا العالم من خلال سيطرتهم على البيت الأبيض… إضافةً إلى قوة اللوبي الصهيوني" ويخلص إلى نتيجةٍ سياسيةٍ صريحة: "يجب أن لا ننتظر من الولايات المتحدة موقفاً محايداً، لأن القرار الأمريكي أصبح أســيراً لقوة الضغط الصهيوني، يلبي طموحاتها ويحقق رغباتها، حتى على حساب مصلحة الشعب الأمريكي"
ويضع الشرفاء القارئ أمام معيارٍ كاشفٍ لاختبار الصدق السياسي: كيف تُقنعك دولةٌ بأنها “وسيط نزيه” وهي شريكةٌ في الحماية والتحالف والتسليح؟ ولهذا يدعو عمليًا إلى إعادة بناء العلاقة مع واشنطن على قاعدة “المعاملة بالمثل” لا التبعية «تكليف وزراء الخارجيــة لتقييم العلاقات العربيــة مع الولايات المتحدة الأمريكية على أســاس مواقفها من مصالح الأمة العربية، وكيفية وضع أسس مشتركة تجعل الولايات المتحدة تحترم إرادة الأمة العربية وحقوقها على أساس المعامـــلة بالمثـل"
ويُضيف الشرفاء بعدًا ماديًا للازدواجية حين يربط “الهيمنة” بأدواتها: المال والنفط والتجميد والمصادرة، بما يجعل الاستقلال الاقتصادي جزءًا من مقاومة الابتزاز السياسي: "…كما حــدث في حالاتٍ كثيرة الــكل يعلمها حينما قامت الولايات المتحدة بتجميد أرصدة الجماهيرية الليبية"
وتأتي أحداث فنزويلا مطلع يناير 2026 لتُنعش هذا المفهوم في الواقع المباشر: تُعلن واشنطن عملية عسكرية داخل دولة ذات سيادة، وتقول تقارير إخبارية دولية إن العملية انتهت بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وسط موجة إدانات وتساؤلات قانونية حول مبدأ السيادة وحدود استخدام القوة دون تفويض دولي.
ويُظهر تزامن “القبض” مع “الضربات” كيف تعمل ازدواجية المعايير: تُقدَّم القوة بوصفها “حلًا”، ويُؤجَّل القانون الدولي إلى الهامش، ثم يُطلب من العالم التعامل مع ذلك كأنه إجراءٌ طبيعي—وهو ما وصفه تحليل قانوني مستقل بأنه “سابقة خطرة” على قواعد عدم استخدام القوة.
ويُقرأ هذا المشهد—في ضوء الشرفاء—بمنطقٍ واحد: تُدار السياسة بميزان المصلحة، ويُعاد تعريف “الشرعية” وفق قدرة الفعل لا وفق عدالة المبدأ. لذلك لا يُراهن الشرفاء على “خطابٍ أخلاقي” يصدر من مراكز القوة، بل يدعو إلى موازنةٍ عربيةٍ تُجبر الآخرين على الاحترام عبر الندية، وتمنع تحويل السيادة إلى بندٍ قابل للتجاوز، وتُحيل القانون الدولي من “شعارٍ” إلى “حائط صد” يلتزم به الجميع لا الضعفاء فقط.
ولا يقف أثر هذه الازدواجية الأمريكية عند حدود دولةٍ بعينها، بل ينعكس على بنية النظام الدولي ذاته. فحين تُقدِم قوة كبرى على خطف رئيس دولة ذات سيادة، أو تنفيذ ضربات عسكرية خارج إطار القانون الدولي، ثم تُبرِّر ذلك بخطاب “إنفاذ القانون” أو “حماية الأمن”، فإنها تُرسِّخ سابقةً خطيرة تُقوِّض مبدأ سيادة الدول وتُفرغ المواثيق الدولية من مضمونها. هذا السلوك، كما تقرأه كتابات علي محمد الشرفاء الحمادي، لا يُنتج عالمًا أكثر أمنًا، بل عالمًا أكثر فوضى، حيث تشعر الدول الكبرى بأنها فوق المساءلة، وتتعلم الدول الأصغر أن القانون لا يحمي إلا من يملك القوة. وبهذا تتآكل الثقة في المؤسسات الدولية، وتُفتح الأبواب أمام شريعة الغاب، ويصبح استخدام القوة هو اللغة السائدة بدل الاحتكام إلى العدالة، الأمر الذي يهدد الاستقرار العالمي، ويُحوّل النظام الدولي من إطارٍ منظم للعلاقات بين الدول إلى ساحة صراع مفتوح تُدار فيه المصالح على حساب القيم والإنسان.