اهم الاخبار
السبت 25 سبتمبر 2021
#الجمهوريةـالجديدة
رئيس التحرير
خالد العوامي

تحقيقات وحوارات

طموحات باريس..وأحلام ماكرون لاستعادة المكانة الفرنسية في المنطقة

- لماذا الانخراط الفرنسي المتصاعد مع أزمات الشرق الأوسط ؟ .. تراجع امريكي وتنافس بين القوي الإقليمية

الوكالة نيوز

عكست مشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمة بغـداد للتعاون والشراكة التي عقدت في 28 أغسطس الفائت، وزيارته إلى مدينة الموصل العراقية، الاهتمـام الفرنسي المتصاعـد بأزمـات المنطقـة العربية ، فخلال السنوات الأخيـرة، عـززت باريـس مـن انخراطهـا في قضايـا المنطقة مـن خلال عـدد من المسـارات ربمـا أهمها الحضور السياسـي عبـر التواصل المكثـف مـع مسـئولي الدول، وطـرح مبادرات متنوعة لتسـوية أزمـات الدول بمـا فـي ذلـك مبـادرات للدعـم الاقتصـادي، فضلا عـن دعـم حملات مكافحـة الارهاب ، ولم تكـن هـذه المسـارات منفصلة عـن السياسـة الخارجيـة التـي تبناهـا الرئيـس الفرنسـي وطموحات اسـترداد المكانة الفرنسـية في المنطقة، لاسـيما مـع تراجـع الاهتمـام الأمريكي بمنطقة الشـرق الأوسـط بصفـة عامة، وتزايـد التنافـس علـى النفـوذ فيهـا بيـن عـدد مـن القـوى الإقليميـة والدولية .

تحركات مكثفة

اكتسبت أزمـات المنطقـة العربيـة اهتمامـاً مكثفـاً مـن جانـب الرئيس الفرنسـي إيمانويـل ماكـرون منـذ وصولـه إلـى الرئاسـة، حيـث بـدت المنطقة وقضاياها سـاحة هامـة لإحيـاء النفـوذ والمكانـة الفرنسية وهكذا ، عملـت باريـس علـى تكثيـف تحركاتهـا فـي قضايـا وأزمـات المنطقة، وهـى التحركات التـي اتخذت
أربعـة أبعاد رئيسية :

التمايز عـن السياسة الأمريكية

حرصت باريس فـي تعاطيها مع قضايا المنطقـة علـى إظهـار التمايـز، ولـو بدرجة محـدودة، عـن السياسـة الأمريكية، وبالتالـي التعبيـر عـن مسـار مسـتقل فـي التفاعـل مـع هـذه القضايـا، ولعـل هـذا مـا يتضـح مثـلاً مـن الخلافـات بين واشـنطن وباريـس، وخاصـة فـي عهـد الرئيـس الأمريكـي السـابق دونالـد ترامب، تجاه عـدد من القضايـا وفي مقدمتها الملـف اللبناني.

إذ تختلـف باريـس مـع واشـنطن حـول الموقـف مـن حـزب الله اللبنانـي، ففيمـا تصنـف واشـنطن الأخيـر، بجناحيه العسـكري والسياسـي، كجماعـة إرهابيـة، فـإن باريـس تبنـت موقفـاً مغايـراً يقـوم علـى تصنيـف الجنـاح العسـكري فقط للحـزب كتنظيم إرهابـي، وهـو الموقـف الـذي يكتسـب وجاهتـه مـن طبيعـة الـدور الفرنسـي فـي لبنـان، حيـث تتعامـل فرنسـا مـع حـزب الله كفاعـل سياسـي فـي المشـهد، ويتعيـن التواصـل والحـوار معـه، وبالتالـي، فـإن باريـس تـرى أن تصنيـف الجنـاح السياسـي للحـزب، كتنظيـم إرهابـي، سـيكون لـه تأثيـر سـلبي علـى الأوضـاع فـي لبنـان والـدور الفرنسـي هنـاك.

وعلـى المسـتوى الإقليمـي أيضـاً، هنـاك خلافـات حـول الملـف الإيرانـي. صحيـح أن فرنسـا تتفـق مـع الولايـات المتحـدة الأمريكيـة حـول التهديـدات الإيرانيـة للأمـن والاسـتقرار الإقليمـي، إلا أنهـا لـم تتفـق مـع واشـنطن فـي الانسـحاب مـن الاتفــاق النــووي، فــي 8 مايــو 2018، لتظــل فرنســا وغيرهــا مــن الــدول الأوروبيــة متمســكة بالاتفـاق الـذي رأت أن اسـتمراره يمكـن أن يسـاهم فـي دعـم جهـود تســوية الأزمــات فــي المنطقــة العربية، واعتبرت أن الانسـحاب الأمريكــي منــه خطــوة تؤثــر بالسـلب على الاسـتقرار الإقليمي والدولــي.

الانفتاح علــى الأطــراف المختلفة

وهو مــا يعكســه الحضــور المكثــف للمســئولين الفرنسـيين فـي أزمـات وملفـات المنطقــة، فخــلال عــام 2020 قــام الرئيــس ماكــرون بزيــارة لبنـان مرتيـن بعـد انفجـار مرفـأ بيـروت في 4 أغسـطس 2020، بالتــوازي مــع تقديــم مبــادرة لتسـوية الأزمة اللبنانية، ومحاولة ممارسـة بعـض الضغـوط على النخب اللبنانيـة للإسـراع فـي تشـكيل الحكومة ، كمـا بلـورت فرنسـا موقفـا بـارزا فـي الملـف العراقـي، علـى نحـو بـدا جليـا فـي زيـارات الرئيـس الفرنسـي المتواليـة للعـراق، فقبـل مشـاركة ماكـرون فـي قمـة بغـداد الأخيـرة، زار الرئيـس الفرنسـي العـراق فـي 2 سـبتمبر 2020، وحينهـا أعلـن عـن تقديـم مبـادرة، بالتعـاون مـع الأمـم المتحـدة، لدعـم السـيادة العراقية .

وحرصـت فرنسـا أيضـاً علـى تعزيـز حضورهـا فـي الملـف الليبـي مـن خـلال الانفتاح على بعـض القـوى الفاعلة، مثـل قائد الجيـش الوطنـي الليبـي خليفـة حفتـر، وحاولـت أن تنتـزع لنفسـها الـدور الأوروبي الرئيسـي في الملـف، ولعل هذا ما كشـفت عنـه المبـادرات الفرنسـية المتواليـة، مثـل المبـادرة التـي جمعـت بيـن رئيـس حكومـة الوفـاق السـابق فايـز السـراج وخليفـة حفتـر فـي 29 مايـو 2018. وفـي 16 يونيـو الماضـي، تناقلـت وسائل الإعـلام خطـة فرنسـية مقترحـة لإخـراج المرتزقة من ليبيا .

التعاون الامني مـع دول المنطقة

عززت فرنسـا حضورهـا فـي المنطقـة خـلال السنوات الماضيـة من خـلال التعاون الأمنـي مـع دولهـا لمواجهـة التهديـدات الأمنيـة وفـي مقدمتهـا الإرهابيـة، حيـث تعـد باريـس شـريكاً هامـاً فـي حملـة مكافحـة تنظيـم “داعـش” فـي المنطقـة، وقـال ماكـرون، علـى هامـش مشـاركته فـي قمـة بغـداد، أن فرنسـا سـتبقى فـي العـراق لمسـاعدته علـى مكافحـة الارهاب .

الدعم الاقتصادي لـدول الازمات

قدمت باريـس بعـض المبـادرات الاقتصاديـة لإخـراج بعـض دول المنطقـة مـن أزماتهـا، وكان لبنـان النمـوذج الأبـرز فـي هـذا الصـدد. فعلـى مـدار عـام، منـذ انفجـار مرفأ بيروت فـي 4 أغسـطس 2020، نجحـت فرنسـا فـي تنظيـم أربعـة مؤتمـرات لدعـم لبنـان والجيـش اللبنانـي، وهـى المؤتمـرات التـي شـهدت جمـع مسـاعدات من اطراف عديدة فعلي سبيل المثال تعهدت الدول المشاركة في مؤتمر " الاستجابة لاحتياجات الشعب اللبناني " المنعقـد يـوم 4 أغسـطس الماضـي، بتقديـم نحـو 370 مليـون دولار كمسـاعدات للبنان، وتصدرت فرنسـا والولايـات المتحدة الأمريكيـة قائمـة المتعهديـن بتقديـم المسـاعدات للبنـان، حيـث أعلـن الرئيـس الفرنسـي عـن مسـاعدات فرنسـية جديـدة بقيمـة 100 مليـون يـورو فـي الأشـهر الــ12 المقبلـة مـع إرسـال نصـف مليـون جرعـة مـن اللقاحـات المضادة لفيـروس كورونـا فـي الأسـابيع المقبلة.

وهناك محفزات رئيسية حيث ترتبط السياسة الفرنسية وفق التحليل الاستراتيجي الصادر عن مركز العالم العربي للأبحاث والدراسات المتقدمة تجاه قضايا وأزمات المنطقة بعدد من الُمحفزات الرئيسية المتمثلة فيما يلي :

استعادة المكانة علـى المستوى الدولي

فالتحركات الفرنسـية فـي المنطقـة مدفوعة برؤيـة وطموحات ماكـًرون ًحول ضـرورة اسـترداد مكانـة فرنسـا علـى السـاحة الدوليـة، فمنـذ وصولـه إلى السـلطة، يتبنى الرئيس الفرنسـي خطابـا قائما على ضـرورة إعـادة فرنسـا إلـى مركـز الشـئون العالمية ، ويـرى أن ذلـك يمكـن أن يحـدث عبـر مسارين : أولهمـا، فـرض شـكل جديـد للتفاعـلات الدوليـة، فمـن وجهـة نظـره، يمـر النظـام الدولـي الليبرالـي بمرحلـة تاريخيـة كبـرى ويحتـاج إلـى اسـتبداله بأشـكال جديـدة مـن التعـاون متعـدد الأطـراف. ولذلـك، يعتقـد ماكـرون أن الوقـت قـد حـان لاستبدال “إجماع واشـنطن” بـ”إجمـاع باريـس” وهـى فكـرة طرحهـا ماكـرون فـي عـام 2020، كمبـادرة تقـوم علـى مجموعـة مـن الأولويـات للتصـدي لتحديـات القـرن الحادي والعشرين ، وثانيهما ، تولـي فرنسـا زمـام مبـادرة السياسـة الأوروبيـة فـي السـاحة الدوليـة، وخاصـة فـي مناطـق الأزمـات علـى غـرار المنطقـة العربيـة. فمـن خـلال الإطـار الأوروبـي الجماعـي يمكـن لباريـس تعزيـز حضورهـا الدولـي، ولعـل هـذا مـا يفسـر تصريحـات ماكـرون المتكـررة حـول أفـكار مثـل السـيادة الأوروبيـة والاسـتقلال الاسـتراتيجي فـي السياسـة الخارجية الأوروبية بعيـداً عـن مواقـف الأطـراف الدوليـة الاخرى .

تفعيل التعـاون الاقتصادي مـع دول المنطقة

تتضمن المنطقة عدداً من الفرص الاقتصادية الهامة بالنسـبة لفرنسـا، إذ تعد دول المنطقـة واحـدة مـن أهـم مسـتوردي الأسـلحة الفرنسـية، كمـا عملـت الشـركات الفرنسـية خـلال السـنوات الماضية على تطويـر علاقاتهـا مـع هـذه الـدول. فقـد أعلنـت الحكومـة العراقيـة، فـي 24 يوليـو الماضـي، الموافقـة علـى توقًيـع اتفـاق مـع شـركة “توتـال” الفرنسـية لتنفيـذ مشـاريع عملاقـة مـن بينها تجميـع الغاز بطاقـة 600 مليون قـدم مكعب يوميـا وتطوير حقل رطـاوي وحصلت أيضـاً شـركة ADP-I الفرنسـية علـى صفقـة تجديـد مطـار الموصـل الدولي فـي 25 ينايـر الماضي ، وتنشـط الشـركات الفرنسـية فـي مجـالات اقتصاديـة متنوعـة بدول شـمال أفريقيا ، فعلى سـبيل المثـال، منح المغرب شـركات فرنسـية عقـوداً ضخمـة فـي مجـال النقـل، كمشـروع الترامـواي والقطـار فائـق السـرعة. وتعتبـر الجزائـر، بحسـب العديـد مـن التقاريـر، أول سـوق عبـر العالـم للقمـح الفرنسـي، كمـا تسـتورد مـن فرنسـا السـلع الدوائيـة والمنتجـات الخاصـة بتكرير البترول ( تستورد فرنسـا كذلـك فـي المقابـل النفـط الجزائـري)، ومنتجات السـيارات والسـكك الحديدية .

مواجهة الازمات الاقليمية المختلفة

يمكن تفسـير التحـركات الفرنسـية فـي قضايـا المنطقـة بوصفهـا محاولـة مـن قبل باريس لتقويض الأزمات المصدرة منها وفي مقدمتها تلك المتعلقة بالهجرة غير الشرعية والتعديلات الإرهابية فالسياسـة الفرنسـية فـي ليبيـا تسـتند بصـورة جوهريـة إلـى محاولـة تأميـن الأوضـاع هنـاك لمنـع تشـكل محـور إرهابي يمتد مـن ليبيـا إلـى دول السـاحل الأفريقـي، وكذلـك التخـوف مـن مسـار الهجـرة غيـر الشـرعية عبـر الأراضـي الليبية إلـى الدول الأوروبية .

تقويض نفوذ الإسلام السياسي

وهو الذي جري  واحـد مـن الأهـداف الرئيسـية للسياسة الخارجيـة الفرنسـية، فـي عهـد ماكرون. وقـد ظهـر هـذا الأمـر مثـلاً فـي تفاعـل باريـس مـع تطـورات الأزمـة التونسـية بعـد القـرارات التـي اتخذهـا الرئيـس قيس سعيد في 25 يوليو الماضي والتي تضمنت تجميد عمد البرلمان وإقالة رئيس الوزراء حيث عبرت باريس أثناء الأتصال الهاتفي الذي أجراه ماكرون مع سعيد في 7 اغسطس الماضي عن دعمه للأخير وأكد ماكرون علي أن تونس يمكنها أن تعتمـد علـى دعـم فرنًسـا لمواجهـة كل التحديـات. وبقـدر مـا يعكـس هـذا الموقـف رغبـة فرنسـا فـي الحفاظ علـى نفوذهـا فـي المنطقـة، فإنـه أيضـا ينطـوي علـى دعـم لسياسـات الرئيـس التونسـي والتـي تـؤدي، بشـكل أو بآخـر، إلى تقويض نفـوذ تيـار الإسـلام السياسـي وممثلـه حركـة النهضة .

تطويق الدور الاقليمي التركي

يرتبـط الحضـور الفرنسـي بالمنطقـة، فـي جانـب كبيـر منـه، بمحاولـة تطويـق النفـوذ التركـي، حيـث تصاعـدت حـدة التوتـر فـي العلاقـات الفرنسـية- التركيـة نتيجـة لعـدد مـن العوامل ربمـا أهمها توظيـف أنقرة لورقـة اللاجئيـن، لاسـيما السـوريين، كأداة للضغـط علـى الـدول الأوروبيـة، بمـا فيهـا فرنسـا، وكذلـك معارضـة الأخيـرة الواضحـة لانضمـام تركيـا للمنظومـة الأوروبيـة، عـلاوة علـى الصـدام حـول السياسـة التركيـة فـي المنطقـة، حيـث انتقـدت فرنسـا التدخـل العسـكري التركـي فـي سـوريا وليبيـا، وخرجـت وزيـرة الجيـوش الفرنسـية فلورانس بارلـي، فـي 18 مارس الماضـي، لتؤكـد علـى “أن تركيـا تسـعى لفـرض نفوذهـا بالقـوة وسياسـة الأمـر الواقـع فـي ليبيـا وسـوريا وأذربيجـان”.

وفي هكذا سياق، كانت السياسة الفرنسية تقوم على تاسيس محاور معارضة لتركيا في المنطقة، فهى تنحاز إلـى قبرص واليونان في صراع شـرق المتوسط مـع تركيا كما انها عارضت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مـع حكومة الوفاق الليبية السابقة عـام 2019 ، وعلى ضوء ذلك، يمكـن القول إن اهتمـام باريس بتعزيز انخراطها فـي ازمات المنطقة لا يهدف فقط إلـى احتواء اية مخاطر محتملة قـد تفرضها علـى مصالحها وامنها، رغم أهمية ذلـك بالطبـع، وإنما يهدف أيضاً إلـى تعزيز دورها كقوة دولية فـي ساحة تبدو مرشحة لتحولات رئيسية خـلال المرحلة القادمة.