اهم الاخبار
الأربعاء 28 يوليو 2021
رئيس التحرير
خالد العوامي

بأقلامهم

نادية حلمي تكتب: انعكاسات وتأثيرات ومستقبل التنافس الصيني- الأمريكي

التنافس الصيني- الأمريكي
التنافس الصيني- الأمريكي

هناك انعكاسات دولية كثيرة وتأثيرات واسعة حول " مستقبل التنافس الصيني- الأمريكي، خاصةً في النواحي الاقتصادية وغيرها ، وقد جاءت أبرز أوجه التنافس الحالي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية حين أرسلت واشنطن وعبر إدارتها الحالية بقيادة الرئيس جو بايدن، مثله مثل الإدارتين الأمريكيتين السابقتين في عهدي (ترامب وأوباما)، إشارات مضطربة وغير واضحة بشأن ضمان الولايات المتحدة الأمريكية للسلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فالرئيس (أوباما) تردد في التدخل في سوريا، وخلفه الرئيس (دونالد ترامب) الذى انسحب منها بشكل مفاجئ، مما أثار مخاوف وشكوك النخب القيادية في المنطقة إزاء الالتزام الأمريكي بأمن (الملاحة البحرية وحماية الممرات المائية في الإقليم).

وفى ظل الوضع الراهن وتزايد الشكوك حيال الموقف الأمريكي، اتجهت دول الإقليم نحو القوتين العالميتين الأخريين، وهما: (روسيا والصين)، بتفعيل الزيارات الرسمية على أعلى المستويات، وإرساء قواعد الشراكة في مجالات متفرقة.

ونجد أن روسيا بطموحات إعادة بناء قوتها العالمية، وبتواجدها العسكري في سوريا وليبيا، فضلاً عن ترابط اقتصادها مع دول مثل مصر والجزائر والسعودية (عبر منظومة أوبك بلس)، نجحت في ترميم علاقاتها الثنائية مع دول المنطقة، وإبراز ذاتها (كوسيط محايد) في نزاعات الإقليم. كما أن مساعدتها لبشار الأسد ضد الضغوط الغربية مكنتها من تحقيق أهداف عدة، كان أهمها بالنسبة لدول المنطقة ظهورها كقوة تراعى السيادة الوطنية، وتسعى للحفاظ على حالة الوضع الراهن، علاوة على تزايد اهتمام بعض الدول بالسلاح الروسي (كالسعودية وقطر ومصر)، وأخيراً، الدفع بعضو حلف الناتو، وهى دولة (تركيا)، ضد مصالح الولايات المتحدة والحلف.

وفى سياق مواز، فإن الانفتاح على الصين كان دافعه - فضلاً عن الإشارات الأمريكية المضطربة- مبادئ (عدم التدخل) وامتثال (الحياد)، كأسس يتبناها الجانب الصيني في سياسته الخارجية. فالصين لم تتخذ موقفاً متحيزاً في التنافس الإقليمي بين (السعودية وإيران)، كما أنها لم تحد عن موقف الحياد تجاه المعضلة الفلسطينية-الإسرائيلية، وفى المقابل، فإن مبادرتها المعروفة بـ (الحزام والطريق) ترغب دول الإقليم في إقامة الشراكات مع الصين، والدخول في حيز النطاقات المستفيدة من مكاسب هذا التمدد الاقتصادي.

وقبل الانتقال إلى الاتجاه الآخر في هذه المعادلة، نشير إلى تزايد القلق الأمريكي من تغلغل القوة الاقتصادية الصينية في الإقليم، لاسيما مع الحلفاء والشركاء المعتادين. وستناقش الباحثة المصرية عدداً من المحاور التالية:

أولاً: تحليل القلق الأمريكي من علاقات الصين الشاملة بالشرق الأوسط خارج نطاق التجارة

إن تعميق علاقات الصين مع دول الشرق الأوسط خارج نطاق التجارة لابد وأن يقلق الولايات المتحدة، خاصةً وأن إدارة الرئيس الأمريكي (جو بايدن) إتخذت مؤخراً خطوات لتقليل الاهتمام بالمنطقة، وبالتالي فتح الباب أمام الهيمنة الصينية. وقال مسؤول كبير سابق في الأمن القومي ومستشار مقرب من "بايدن" لصحيفة بوليتيكو الأمريكية، بأنه: "إذا كنت ستصنف المناطق التي يعتبرها "جو بايدن" أولوية له، فإن الشرق الأوسط ليس ضمن المراكز الثلاثة الأولى"، وأضاف: "إن مناطق أولويات بايدن الآن هي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ثم أوروبا، ثم نصف الكرة الغربي، وهذا يعكس إجماعاً بين الحزبين على أن القضايا التي تتطلب الاهتمام الأمريكي قد تغيرت مع عودة المنافسة بين القوى العظمى، وهما (الصين وروسيا)".

ومع تنافس الصين على المزيد من النفوذ الدولي لتصبح أكبر قوة في العالم بحلول عام ٢٠٤٩، عسكرياً واقتصاديا وتكنولوجياً وسياسياً، فمن المرجح أن يصبح الشرق الأوسط حاسماً، سواء أعطته الولايات المتحدة الأولوية أم لا؟

ثانياً: تأثير علاقة إسرائيل مع الصين على مستقبل التواجد والنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط

تستعرض الباحثة المصرية هنا بلمحة سريعة، رد الفعل الأمريكي تجاه (علاقة إسرائيل مع الصين)، فإسرائيل التي تعول على القوة الأمريكية في ضمان وجودها وأمنها، تنامت شراكتها الاقتصادية مع الصين من خطط بناء محطة تحلية، بالإضافة إلى مشاريع التواجد الصيني في (ميناء حيفا) الإسرائيلي، الذى يمثل مرفأً دورياً للأسطول البحري الأمريكي السادس، وصولاً إلى اتفاقيات مستقبلية للاستفادة من تقنية (شبكات الجيل الخامس) 5G الصينية.

ثالثاً: تأثير الاتفاقية الاستراتيجية الإيرانية - الصينية لمدة (ربع قرن) على تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط على حساب الولايات المتحدة

إن توقيع الاتفاقية الاستراتيجية بين الصين وإيران، من المتوقع معه أن يعزز من نفوذ إيران في مفاوضاتها مع (إدارة بايدن) بشأن استعادة مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، ومن المرجح أن توفر الاتفاقية على المدى الطويل لإيران فرصة للإفلات من قبضة العقوبات الاقتصادية والاستراتيجية التي خنقت اقتصادها وأدت لتحجيم نفوذها السياسي في أنحاء الشرق الأوسط، في الوقت الذى تتمسك فيه الصين أيضاً بعلاقاتها الجيدة مع دول الخليج المتنافسة مع إيران، والدليل على ذلك هو زيارة وزير الخارجية الصيني (وانغ يى) إلى المملكة العربية السعودية وتركيا وإيران والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان والبحرين، تزامناً مع توقيع الاتفاق مع إيران.

وترغب الصين من وراء إبرام تلك الاتفاقية مع إيران في تعزيز نفوذها في الجيوب العميقة بالشرق الأوسط، كما أن الاتفاق الصيني مع إيران، يستهدف تعزيز طموحات بكين الإقليمية والعالمية كقوة رائدة، ويقوض جهود واشنطن في الوقت ذاته لإبقاء إيران معزولة، نتيجة لدعم بكين بشكل أفضل للجانب الإيراني قبل أي مفاوضات نووية مستقبلية بشأن إيران مع إدارة بايدن. فالصين هنا ترغب في إثبات أنها لا غنى عنها في حل العديد من المشاكل الشائكة في العالم كوسيط عادل، في الوقت الذى تصور فيه عدداً من دول الشرق الأوسط وتنظر للولايات المتحدة الأمريكية على أنها اللاعب العالمي الأكثر إشكالية في المنطقة والعالم.

مع ضرورة الإشارة، إلى وجود معارضة في الداخل الإيراني ذاته للاتفاق مع الصين، وإتهام المسئولين الإيرانيين بإخفاء التفاصيل وسط مخاوف من أن طهران ربما تقدم الكثير وتبيع موارد البلاد إلى بكين.

رابعاً: انعكاس استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية (الاتجاه شرقاً ضد الصين)، واستراتيجية الصين (الاتجاه غرباً ضد واشنطن) على الشرق الأوسط

إن منطقة الشرق الأوسط محطة باستراتيجيتين متضادتين، تعبران عن فعل ورد فعل، والتي تتمثل في استراتيجية الولايات المتحدة (الاتجاه شرقاً)، والرامية إلى احتواء التمدد الصيني المطرد، وما نجم عنه من استراتيجية صينية، تعرف بـ (الاتجاه غرباً)، بهدف خلق تعقيدات سياسية في مناطق نفوذ الولايات المتحدة المعتادة، للحد من ابتزازاتها وكبح خططها لتطويق الصين.

وعلى الجانب الآخر، فإن انعكاس التنافس الصيني - الأمريكي على دول المنطقة يتحرى أولاً المبادئ والمعايير، التي تؤطر النظم السياسية الداخلية والسياسة الخارجية لكلاً من الدولتين، فالولايات المتحدة بأبعادها الفكرية والمعيارية ترى في انتشار الديمقراطية حلاً ناجعاً لصراعات المنطقة، وسبق أن حاولت غرس النظم الديمقراطية الغربية في العراق وأفغانستان دون جدوى ملموسة. وبالتالي، تعي المنطقة تماماً بموجب خبراتها التاريخية في التعاطي مع الشريك الأمني الأمريكي، ماهية المبادئ الليبرالية التي يحملها، وتتحوط تجاه مساعيه في تغيير نظم المنطقة والتدخل في شئونها الداخلية، لاسيما مما يمكن اعتبارها (انتهاكات لحقوق الإنسان).

وبرغم تأثر دول المنطقة سلباً من جراء المناورات الدبلوماسية التي تفرضها أيديولوجية الإدارات الأمريكية، على وجه التحديد الديمقراطية، إلا أن الشراكة الأمنية والعسكرية مع الطرف الأمريكي لا يمكن أن تضاهى ببديل، ولن يكون بمقدور الدول الشركاء في المنطقة أن تتخلى عن الامتيازات الأمنية التي تحظى بها، لتذهب وتمكن قوة أُخرى مثل (الصين) من إحلال مقدراتها العسكرية المفوضة لمستويات النفوذ الأمريكي. وربما كان بوسع بعض الدول استخدام العلاقة مع الصين كورقة ضغط على الجانب الأمريكي، لكن الميل التام تجاه (القوة الشرقية) مفاده "إشهار العداء للقوة الأمريكية، وبالتالي خسارتها كحليف أمنى".

ونجد أن سياسة (الاتجاه غرباً)، هي محاولة صينية لمجابهة استراتيجية الاحتواء الأمريكية، المعروفة ب (الاتجاه شرقاً)، وهنا نجد أن الصين حذرة جداً في تفعيل قواها العسكرية والسياسية في مناطق النفوذ المعتادة للولايات المتحدة. لكن المؤشرات الراهنة تشير بتطور في السياسة الخارجية الصينية، لاسيما تجاه الشرق الأوسط، والاتفاقية الأخيرة الموقعة مع إيران خير شاهد على ذلك.

لذلك، نجد أن اتفاقية الصين وإيران لم تقتصر فقط على جوانب اقتصادية، بل إنها بحسب البنود المسربة، تشتمل على اتفاقيات تخول الصين تشييد موانئ يسهل استخدامها كقواعد عسكرية، بمحاذاة الممرات المائية ذات الأهمية البالغة لتدفق شحنات الطاقة للأسواق العالمية.

خامساً: الهوة أو الفجوة القيمية والأيديولوجية الأمريكية - الصينية وتأثيراتها على العالم

تزايد التنافس الأيديولوجي بين الصين والولايات المتحدة بسبب (اختلاف نهج القيم الشيوعية الصينية عن النهج الليبرالي الأمريكي). ولذا، فإن "انقلاب ميزان القوى بين القوتين خلال جيل أو جيلين يشكل اليوم التحدي الأكبر للسياسة الدولية"، كما ستكون له تبعاته على الاستقرار والأمن الدولي، ومنه ستنبع إعادة سياسة (إعادة تشكيل النظام العالمي).

ففي الوقت الذى تشكل فيه الصين القوة الصاعدة اقتصاديا في العالم، نجد أنها قد استخدمت العولمة للتمدد والانتشار. ويمكننا الإشارة هنا إلى خطاب الزعيم الصيني (شى جين بينغ) في منتدى دافوس، في يناير ٢٠١٧، أي بعد عام من وصول الرئيس الأمريكي السابق (دونالد ترامب) إلى البيت الأبيض، قدم الرئيس (شى جين بينغ) نفسه على أنه (راعى العولمة والتبادل الحر والتعاون الدولي)، وذلك في إطار (اقتصاد منفتح ومزدهر)، محذراً في الوقت ذاته من أن العولمة "سلاح ذو حدين"، وبأنه "لا أحد يمكن أن يخرج منتصراً من حرب تجارية". وما حذر منه الرفيق (شى جين بينغ) قد تحقق سريعاً بعد ذلك.

والدليل على ذلك، هو أن الحرب التجارية والاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت واقعاً معاشاً، وعشرات مليارات الرسوم المفروضة على البضائع المستوردة من الجانبين والقيود المفروضة، خصوصاً أمريكياً والاتهامات بسرقة البراءات، كل ذلك يدل على عمق المخاوف الأمريكية من الصين ومن مستقبل التنافس معها.

سادساً: تحليل احتمالية تفوق "النموذج الشيوعي الصيني" كبديل عن "النموذج الغربي"

تسعى الصين لأن تكون "بديلاً" عن "النموذج الغربي". والأدلة على ذلك كثيرة، كتأسيس الصين لبنوك منافسة للبنوك الغربية والنقدية والمصرفية الدولية، مثل: "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية"،  و "البنك الآسيوي للتنمية"، والذى غرضه منافسة الصين لكلاً من (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي)، لإزاحة الهيمنة الأمريكية من على قمة النظام النقدي والمصرفي والمالي الدولي.

وتعتمد الصين على البنوك الحكومية الصينية نفسها كأذرع مالية للتمويل والإقراض دولياً، كما تعتمد الصين على شركاتها الكبرى أمثال "هواوى" و "هاير" أو "لينوفو"، وعلى قدراتها الاستثمارية الضخمة لاختراق أصعب الأسواق في العالم.

والأهم من ذلك وبعكس الغربيين، فإن "النموذج الصيني" لا يأخذ بعين الاعتبار الواقع السياسي، إذ يتبع مبدأ "عدم التدخل"، وبالتالي، فإن استثماراته "غير مشروطة"، وهذا ما يلاقى تجاوباً في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. ومقابل ذلك، تطلب الصين أحياناً دعماً دبلوماسياً في عدد من المؤسسات الدولية لتمرير سياساتها، فبينما انسحبت واشنطن من (منظمة اليونسكو) وهددت بالانسحاب من (منظمة التجارة الدولية، ومنظمة الصحة الدولية)، فإن الصين بدأت تقوى حضورها فيها كما حدث عام ٢٠١٩ عند انتخاب مدير عام لمنظمة الزراعة الدولية، حيث جاءت أصوات الدول الأفريقية لصالح المرشح الصيني الذى فاز بالمنصب على حساب المرشح الذى كانت تدعمه واشنطن.

ومن هنا نخلص إلى أن الدخول الصيني إلى أزمات الشرق الأوسط، خاصةً ما يتعلق بالتوترات الإيرانية الخليجية، وإن كان الهدف المباشر منها هو (تكريس دور لبكين من بوابة شراكتها الاستراتيجية مع طهران في الاتفاق النووي والضغط على واشنطن)، إلا أن الهدف لا يبتعد عن الاشتباك المحتدم بين الصين وبين واشنطن على خلفية الطموحات الاقتصادية لبكين وتعزيز مواقعها لتوسيع مشروعها "حزام واحد، طريق واحد" الذى يشمل (١٩ دولة في الشرق الاوسط)، والذى يشكل أحد أبرز الهواجس ومصادر القلق الاقتصادي للإدارات الأمريكية المتعاقبة، والذى توجه اتهامات أمريكية خفية إلى بكين من خلاله بمحاولة (نشر قيمها وأيديولوجيتها الشيوعية في العالم على حساب القيم الليبرالية الأمريكية).

كاتبة المقال : أستاذ مساعد العلوم السياسية جامعة بنى سويف- الخبيرة المصرية في الشؤون السياسية الصينية والآسيوية

نادية حلمي تكتب: كيف تستفيد مصر من الاستثمارات الصينية في دول حوض النيل